ظلم أظلم من ألايجد الهداة والمصلحون متنفسا لدعواتهم في أرض اللّه الواسعة ؟ ومن أن يحجر عليهم فلا يستطيعون الإعلان عن عقائدهم ، ولا إظهار شعائرهم ؟ والمظلوم إن لم يجد النصر من أهل الأرض فسيجده لا محالة من السماء ، وصدق اللّه :
وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
.
2 - الانتصاف للمظلوم من الظالم ، والانتصار للنفس ، فها هم المشركون قد اذوا المسلمين ، وحاولوا ما وسعهم الجهد أن يفتنوهم عن دينهم ، فلما لم يفلحوا أخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم . والانتصار للنفس أمر فطري ، وحق من حقوق الإنسان ، قررته الشرائع السماوية والقوانين الأرضية ، وقد قرر اللّه هذه الحقيقة الإنسانية في قوله سبحانه :
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » .
وقد أمر اللّه المسلمين بالصبر على أذى المشركين والتسامح معهم طوال العهد المكي وأوائل العهد المدني ؛ عسى أن يرعووا ، ولكنهم لم يزدادوا إلا بطرا وظلما واستعلاء في الأرض ، فأما إذا لم تفلح معهم سياسة المهادنة والتسامح ، فلتقابل القوة بالقوة ، والسلاح بالسلاح ، وإلّا صار السكوت والإغضاء عجزا وضعفا ومهانة .
وليس من العدل والحق أن يترك المشركون يمرحون في الأرض ، ويجوبون الجزيرة من الجنوب إلى الشمال ، ولا يؤذن للمسلمين في محاربتهم من جنس ما حاربوهم به ، وأن يقطعوا عليهم تجارتهم ، ويأخذوا منها ما تصل إليه أيديهم نظير ما اغتصبوا من أموالهم ، وأن يضيّقوا عليهم مثل ما ضيقوا عليهم ، وصدق اللّه حيث يقول :
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ . وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الشورى : الآيتان 41 ، 42 .
( 2 ) سورة الشورى : الآيتان 39 ، 40 .