تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
وأوصيكم بتقوى اللّه ، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى اللّه ، فاحذروا ما حذّركم اللّه من نفسه ، ولا أفضل من ذلك نصيحة ، ولا أفضل من ذلك ذكرى ، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة ، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة ، ومن يصلح الذي بينه وبين اللّه من أمر السر والعلانية ولا ينوي بذلك إلا وجه اللّه يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم ، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ،
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
هو الذي صدّق قوله ، وأنجز وعده ، لا خلف لذلك ، فإنه يقول تعالى :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. واتقوا اللّه في عاجل أمركم واجله ، في السر والعلانية ، فإنه
مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
، ومن يتّق اللّه فقد فاز فوزا عظيما . وإن تقوى اللّه توقي مقته ، وتوقي عقوبته ، وتوقي سخطه ، وإن تقوى اللّه تبيّض الوجه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة . خذوا بحظكم ، ولا تفرّطوا في جنب اللّه ، قد علمكم اللّه كتابه ، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ، فأحسنوا كما أحسن اللّه إليكم ، وعادوا أعداءه وجاهدوا في اللّه حق جهاده ، هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة ، ولا قوة إلا باللّه . فأكثروا ذكر اللّه ، واعملوا لما بعد الموت ، فإنه من أصلح ما بينه وبين اللّه يكفيه ما بينه وبين الناس ، ذلك بأن اللّه يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه ، اللّه أكبر ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » . روى هذه الخطبة الإمام محمد بن جرير ، وفي السند إرسال ، وقد حرصت على ذكرها كلها لأن فيها قبسا من نور الوحي ، وحكما من حكم النبوة ، وهي نموذج رائع من كلمه الجوامع ، وحكمه النوابغ ، وفيها القدوة لمن يحب أن يقتدي بالرسول في خطبه ، ويحتذي به في مواعظه .