توسل الأنصار إلى الرسول أن ينزل عندهم
ثم أتاه رجال من بني سالم بن عمرو بن عوف فقالوا : يا رسول اللّه أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة « 1 » ، ويتشبثون بزمام الناقة - ناقته القصواء - ، فيقول لهم : « خلّوا سبيلها فإنها مأمورة » ورسوله اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، وكلما مر بدار من دور الأنصار في الطريق عرضوا عليه أن ينزل عندهم في العدد والعدة والمنعة ، فيقول لهم مثل قولته الأولى ، حتى وصلت الناقة إلى موضع مسجده الشريف فبركت عنده ، ورسول اللّه راكب عليها لم ينزل ، ثم ثارت الناقة « 2 » ، وسارت غير بعيد ورسول اللّه واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها أول مرة ، فبركت فيه وألقت بجرانها « 3 » .
فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنازعه الملأ أيهم ينزل عليه ، فقال : « إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك « 4 » » . ثم سأل : « أي دور أهلنا أقرب » ؟ فقال السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري : أنا ، فاحتمل رحل رسول اللّه إلى منزله ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معتذرا بلطف عن النزول عند غير بني النجار « المرء مع رحله » .
ثم جاء أسعد بن زرارة نقيب بني النجار ليلة العقبة الثانية ، وقد فاته شرف نزول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنده ، فأخذ بزمام ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكانت عنده ، واعتبر هذا شرفا وكرامة له .
وكان نزول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدار السيد أبي أيوب الأنصاري منقبة عظيمة له ولبني النجار جميعا ، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا ، كل دار محلة مستقلة بمساكنها ، ونخيلها ، وزروعها وأهلها ، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا
هامش
( 1 ) العدد : الكثرة . العدة - بضم العين - : السلاح . المنعة : القوة وحماية الجار .
( 2 ) ثارت : قامت .
( 3 ) جرانها : مقدم عنقها .
( 4 ) وطبعي ألايغضب أحد من أشراف المدينة ، لأن أحق الناس به هم أقرباؤه وأهله ، وبهذا التصرف الحكيم تخلص الرسول الكريم من هذا الموقف المحرج حقا .