ويقول اللّه سبحانه :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 1 » .
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة . . . » ورواه مسلم بلفظ : « وبعثت إلى كل أحمر وأسود » وفي رواية :
« وبعثت إلى الخلق كافة » .
والحق ما لم تكن له قوة تؤيده وتفسح له الطريق كي يأخذ سبيله إلى القلوب والعقول كان حقا مضيعا ، فكان لابدّ في هذا العهد من تشريع القتال في الإسلام ، ولو أن المناهضين للدعوة اكتفوا في ذلك بالحجاج والكلام ، لقابلهم الإسلام بالمثل ولكان له الفوز والغلب . ولكنهم سلكوا مسلك القوة ، وحملوا السلاح ، فكان من العدل والحق أن تقابل القوة بالقوة ، والسلاح بالسلاح ، ولا سيما وقد أضحى للمسلمين قوة وكيان .
وقد كانت هذه الفترة من عمر الإسلام أخصب الفترتين ، ففيها نزلت معظم التشريعات التفصيلية والأحكام العملية في الحلال والحرام ، والعبادات والمعاملات والحدود والجنائيات ، والحروب والمعاهدات ، والعلاقات الدولية ، والنظم السياسية ، وذلك لأن حياة المسلمين في المدينة بدأت في الاستقرار ، وأصبح لهم دولة وسلطان ، ومن شأن الجماعة التي لها رابطة تربطها أن تكون في مسيس الحاجة إلى تشريع يتكفل بما تحتاج إليه في دينها ودنياها .
وشيء اخر : ذلك أن التشريعات العملية - ولا سيما الحدود والجنائيات - مرتبطة بسلطان الحكم التنفيذي ، فلا تشريع لمن لا يملك حق التنفيذ .
وقد أشارت إلى هذه الحكمة التشريعية السيدة العاقلة العالمة عائشة
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 107 .