تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وسار الركب حتى وصلوا مكانا يسمى « بحران » ، فأضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه ؛ فتخلّفا في طلبه ، ومضى بقية الركب ، حتى نزلوا « نخلة » ، فمرت بهم عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي ومعه ثلاثة آخرون ، فلما رآهم القرشيون هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم ، فأطلّ عليهم عكاشة بن محصن « 1 » ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا وقالوا : عمّار لا بأس عليكم منهم . وتشاورت السرية في أمرهم وكان في اخر يوم من رجب « 2 » ، فقالوا : واللّه لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم ، فليمتنعنّ به منكم ، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام ، فتردد القوم ، وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجّعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتالهم ، وأخذ ما معهم ، فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، وأسروا اثنين وأفلت واحد ، واستاقوا العير ، ورجعوا بها وبالأسيرين حتى قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما علم أنهم قاتلوا في رجب قال : « ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام » ، ووقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا ، فسقط في يد رجال السرية ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنّفهم إخوانهم المسلمون ، واتخذ المشركون مما حدث وسيلة للطعن في المسلمين ، وقالوا : قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا الأموال ، وأسروا الرجال ، وأرجف اليهود والمنافقون في المدينة قصد إشعال الفتنة . وفي هذه الغمرة من الأسى والأسف ، والتثريب والعتاب والإرجاف من الأعداء ، نزل الوحي من السماء بقول اللّه سبحانه :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ
هامش
( 1 ) عكاشة : بضم العين وتشديد الكاف ، وقد تخفف ، ومحصن : بكسر الميم وفتح الصاد . ( 2 ) وقيل إن ذلك كان في اخر يوم من جمادى الثانية ، فقاتلوهم ظنا منهم أنه من جمادى ، ثم ظهر أنه من رجب فندموا .