تشريع الزكاة « 1 » في الإسلام
وفي السنة الثانية أيضا شرع اللّه الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام وكان ذلك بعد شهر رمضان ، لأن تشريع الزكاة العامة كان بعد زكاة الفطر ، وزكاة الفطر كانت بعد فرض صيام رمضان قطعا ، يدل على هذا ما رواه الأئمة أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال : « أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ، ثم نزلت فريضة الزكاة ، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله » قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح « 2 » .
وجمهور العلماء سلفا وخلفا على أن مشروعية الزكاة إنما كانت بالمدينة في السنة الثانية ، وقالوا : إن قوله تعالى في سورة الأنعام المكية :
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
ليس المراد به الزكاة المفروضة ، وإن هذا شيء كانوا يعطونه عند الجذاذ ترضية للفقراء والمساكين من غير تقدير حد له ، بل هو متروك لأريحية كل معط ، فكان الواحد منهم يأتي بالقنون أو العذق فيضعه في جانب « 3 » المسجد ، فيأتي الفقراء والمساكين فيأكلون منه ، أو يعطي من حصاده ما تجود به نفسه من غير إلزام ولا تحديد بحد « 4 » .
وذهب بعض العلماء إلى أن فرضية الزكاة كانت بمكة بهذه الآية ، ثم نزل تأكيد فرضيتها وبيان أنصبتها ومصارفها ، ومقدار المخرج من كل نوع إلى غير ذلك من التفصيلات في المدينة .
هامش
( 1 ) الزكاة في اللغة : النماء والتطهير ، وفي الشرع : إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ومسكين وغيرهما من المصارف غير هاشمي ولا مطّلبي ، والمناسبة بين المعنيين ظاهرة لأن إخراجها سبب للنماء في المال أو الأجر ، وأيضا فهي طهرة للنفس من رذيلة البخل ، وطهرة للمجتمع من الأحقاد والمفاسد والمذاهب المنحرفة ، وركنها الإخلاص ، وشرطها : هو ملك النصاب الحولي ، وشرط من تجب عليه : العقل والبلوغ والحرية ، وبأدائها يسقط الواجب في الدنيا ، ويحصل له الثواب في الأخرى .
( 2 ) فتح الباري ، ج 3 ص 207 .
( 3 ) مجمع الكناسة ، وهي ما نسميها « السباطة » .
( 4 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 3 ص 410 ؛ فتح الباري ، ج 3 ص 211 ، ط . بولاق .