تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ويرى فريق من العلماء وعلى رأسهم ابن عباس أنه لا نسخ ، وأن الآيتين محكمتان ، وأن قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ
إنما هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فلهما أن يفطرا ويطعما بدل كل يوم مسكينا . رواه البخاري في صحيحه ، وعلى رأي ابن عباس ومتابعيه تكون الآيتان قد نزلتا مرة واحدة . وفي مبدأ الإسلام كان الصائم إذا أفطر يأكل ويشرب ويباشر امرأته إلى أن ينام أو يصلّي العشاء ، فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والمباشرة ، فشق ذلك على المسلمين ، ووقع بعضهم في الحرج بسبب هذا ، فخفف اللّه عن الأمة ، ورحمها ، وأباح لهم هذه الثلاثة إلى طلوع الفجر « 1 » . روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل من حديث طويل في أحوال الصلاة والزكاة قال : وكانوا يأكلون ، ويشربون ، ويأتون النساء ما لم يناموا ، فإذا ناموا امتنعوا ، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة - يعني ابن قيس - كان يعمل صائما حتى أمسى ، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثم نام ، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح ، فرآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد جهد كثيرا فقال : « ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا » ، فأخبره . وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يبكي ندما ، فذكر له ذلك ، فأنزل اللّه سبحانه :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . . .
، إلى قوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
ورواه أبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه ، وغيرهما . وبهذا استقر تشريع الصيام على هذا اليسر ورفع الحرج ، وتأكد وجوبه بالسنة القولية والعملية المتواترة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الكرام ، وأجمع على هذا المسلمون ، فلا يحل لمسلم أن يفرّط في هذا الأصل من أصول الإسلام الذي هو من أسس التقوى ، وهي جماع الخير كله ، ومن حكمه تزكية النفوس
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 1 ص 418 .
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 108 | محمد بن محمد ابو شهبة