تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وبذلك تحقق للنبي والمسلمين شرف التوجه إلى القبلتين . وقد كان التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة في منتصف شهر رجب على الصحيح ، وبه جزم جمهور العلماء ، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ، وذهب البعض إلى أن التحويل كان في نصف شعبان ، وهو قول ضعيف ، وقد اختلف العلماء في أول صلاة حصل فيها التحويل ، فقيل الظهر ، وقيل العصر ، والتحقيق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم زار أم بشر بن البراء بن معرور خارج المدينة في بني سلمة ، فصنعت لهم طعاما ، وحانت صلاة الظهر ، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه للصلاة في مسجدهم ، وبعد أن صلّى بهم ركعتين نزل جبريل على النبي بتحويل القبلة فاستدار النبي وهو في صلاته إلى الكعبة ، واستدار معه أصحابه ، فسمّي هذا المسجد ، المسجد ذي القبلتين ؛ ولا يزال مكانه موجودا إلى وقتنا هذا بالقرب من المدينة ، وفيه مكان القبلتين . ثم خرج النبي إلى المدينة فحانت صلاة العصر فصلاها إلى الكعبة ، ثم خرج رجل ممن صلّى معه بالمسجد النبوي ، فمر على بني حارثة في مسجدهم وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فأخبرهم بتحويل القبلة ، فاستداروا وهم في صلاتهم إلى الكعبة ، ثم ذهب هذا الرجل أو غيره إلى قباء ، فأدركهم في صلاة الفجر وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فأخبرهم بنزول القران بالتحويل إلى الكعبة ، فتوجهوا في صلاتهم إليها ، وبهذا التحقيق يحصل التوافق بين الروايات المختلفة الواردة في هذا المقام ، والتي يكمل بعضها بعضا « 1 » . وقد أكثر اليهود من الطعن في النبي والمسلمين بسبب هذا التحويل ، ولهجوا بقالة السوء ، مع علمهم من كتبهم أن هذا سيكون ، وأن توجهه صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس لن يدوم ، وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى موقفهم هذا في قوله :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
« 2 » .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي ، ج 5 ص 9 ؛ فتح الباري ، ج 1 ص 79 - 81 . ( 2 ) سورة البقرة : الآيتان 142 ، 143 .
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 104 | محمد بن محمد ابو شهبة