. . . . . . . . . .
شرح
كالماء الجاري في عروق الشجرة صعدا ، حتى تحيا به عادة ، فنسميه ماء باعتبار أوّليّته ، ونسمى أيضا هذا روحا باعتبار أوليته ، واعتبار النفخة التي هي ريح ، فما دام الجنين في بطن أمه حيّا ، فهو ذو روح ، فإذا نشأوا كتب ذلك الروح أخلافا وأوصافا لم تكن فيه ، وأقبل على مصالح الجسم كلفا به ، وعشق مصالح الجسد ولذّاته ، ودفع المضارّ عنه سمى : نفسا ، كما يكتسب الماء الصاعد في الشجرة من الشجرة أوصافا لم تكن فيه ، فالماء في العنبة مثلا هو : ماء باعتبار الأصل والبدأة ، ففيه من الماء الميوعة والرطوبة ، وفيه من العنبة الحلاوة ، وأوصاف أخر ، فتسميه مصطارا « 1 » إن شئت ، أو خمرا إن شئت ، أو غير ذلك مما أوجبه الاكتساب لهذه الأوصاف ، فمن قال : إن النفس هي الروح على الإطلاق من غير تقييد ، فلم يحسن العبارة ، وإنما فيها من الروح الأوصاف التي تقتضيها نفخة الملك ، والملك موصوف بكلّ خلق كريم ؛ ولذلك قال في الحديث : فمن الروح عفافه وحلمه ووفاؤه وفهمه ، ومن النفس شهوته وغضبه وطيشه ، وذلك أن الروح كما قدمنا مازج الجسد الذي فيه الدم ، ويسمى الدم :
نفسا ، وهو مجرى الشيطان ، وقد حكمت الشريعة بنجاسة الدم لسرّ لعله أن يفهم مما نحن بسبيله ، فمن يعرف جوهر الكلام ، وينزل الألفاظ منازلها ، لا يسمى روحا إلا ما وقع به الفرق بين الجماد والحي ، والذي كان سببا للحياة ، كما في الكتاب العزيز عند ذكر إحياء النطفة ، ونفخ الروح فيها ، ولا يقال :
نفخ النفس فيها إلا عند الاتساع في الكلام ، وتسمية الشئ بما يؤول إليه ،
هامش
( 1 ) مصطار بضم الميم : الخمر ، ومسطار بكسر الميم وبالسين : الخمرة الصارعة لشاربها أو الحامضة أو الحديثة .