عيسى عليه السلام مثال . وأنّ العالم الذي يحتاج سكانه في حياتهم إلى أسوة تامّة ليعلموا كيف تكون الرابطة بين الزوج وزوجه ، وبين الصديق وأصدقائه ، والأب وبنيه ، والمقاتل وأعدائه ، والهدنة بين المتحاربين ، وكيف تنعقد ، لا يستطيع أن يجد له أسوة في حياة من لا يجد لهذه الأمور ذكرا في سيرته . ولو أنّ الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى عليه السلام ، وأرادوا أن يعيشوا كما عاش ؛ لخربت الدّنيا واستحال عمرانها خرابا يبابا ، ولأصبحت القرى مقابر تتردّد في أنحائها أصوات البوم . أما الحضارة ، وتقدّمها فسرعان ما يعتريهما الزوال ، ويمحى اسمهما ، وأوروبا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يوما واحدا .
إنّ الحياة المثالية لن تكون أسوة الناس ما لم تكن أعمال صاحبها - الذي يؤسس دينا ، ويدعو الناس إليه - مثالا وأنموذجا لمن يدعو إليه ، ولا يتطرّق الشكّ إلى الناس بأنّ ما يدعو إليه هو مما يعمل به . ومن السّهل أن يدعو الدّاعي إلى فلسفة تحظى بإعجاب الناس ، وإلى فكرة يستحسنونها ، أو نظرية جديدة في الحياة تروق لهم . وكلّ ذلك مما يقدر عليه كثير من الناس متى شاؤوا وأين شاؤوا . أما الذي لا يستطاع دائما فهو عمل الدعاة بما يدعون إليه ، وليست الأفكار الصّحيحة ، والنّظريات الشائقة ، والأقوال الحسنة هي التي تجعل الإنسان إنسانا كاملا ، وتجعل من حياته أسوة للناس ، ومثلا أعلى في الحياة ، بل أعمال الدّاعي وأخلاقه هي التي تجعله كذلك . ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين الخير والشر ، ولما تميّز المصلح عن غيره . ولا متلأت الدّنيا بالثرثارين والمتفيهقين الذين يقولون ما لا يفعلون .
وهنا ينبغي لنا توجيه السؤال إلى العالم أجمع : من ذا الذي تعدّ حياته أسوة للبشر ، وفيها المثل الأعلى للبشر ، من بين مئات الألوف من الرسل والأنبياء ، وعظاماء المصلحين ممّن شرعوا للإنسانية دياناتها ، وسنّوا السنن للناس ؟
« تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك . أحبب
الرسالة المحمدية — صفحة 56
مساهمون: سيد سليمان ندوى
ص٥٦