أما « بوذا » « 1 » فإنّه منذ هجر أهله وعياله إلى الصحارى والغابات لم يرجع قطّ إلى خليلته التي كانت حبيبة إلى قلبه ، ولم ير ولده الوحيد مرّة أخرى ، وترك خلانه ، وأحباءه ، فخفّف عن كاهله أعباء الحكم ، وارتضى الموت آخر وسيلة له إلى النجاة ، فكان الأجل المحتوم الغاية القصوى للحياة البشرية عنده . فمن ذا الذي يرضى بأن يتّخذ من حياة « بوذا » أسوة في هذه الدّنيا التي لا بقاء لها ، ولا عمران إلا بالحياة الاجتماعية ، والروابط العمرانية ، والأواصر الإنسانية ، ولا بدّ فيها من راع يرعى رعيته ، وصديق يألف صديقه ، ووالد يشفق على ولده ، وأمّ تحنّ على فلذة كبدها . وهل في حياة « بوذا » شيء من ذلك يكون به أسوة للجميع : من الرهبان الذين انقطعوا للآخرة ، إلى الآباء ذوي العيال وأصحاب الضياع والمزارع والمصانع والأموال ؟ كلا ثمّ كلا ، لم تكن سيرة « بوذا » قطّ أسوة للهناء العائلي ، ولا لأهل الصناعات والمتاجر ، ولو اتخذ أتباع « بوذا » قدوة لهم من حياة « بوذا » لما قامت لهم هذه الدّول في « الصّين » و « اليابان » و « سيام » و « تبت » و « برما » ، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق ، ولا دبّت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم . ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم ، وساروا عليها ؛ لأقفرت الأرض العامرة ، وتحوّلت إلى صحارى قاحلة ، ولأصبحت المدن خرابا ، أو أرضا جرداء .
وأما موسى عليه السلام فلا نعلم عن حياته - حسب الأسفار الخمسة من التوراة - إلا قتاله وقيادته في الحرب وبسالته فيها . أما النّواحي الآخرى من
هامش
( 1 ) هو المفكر الهندي « جوتام بوذا » (Gautam Buddah) يرجع تاريخ ولادته حسب تحديد المؤرخ الغربي أدوارد توماس إلى 536 قبل الميلاد ، ووفاته 544 قبل الميلاد ، ومن المعلوم أن « بوذا » لم يضع كتابا خاصا ، أو دستورا جامعا واضح المعالم يحتوي على تعاليم دعوته ، ومبادئ فلسفته ، ولكنه نشر فلسفته بطريق خطبه أمام أتباعه وتلاميذته ، فقام عدد منهم بتأليف كتب تضم القواعد والمبادئ الدينية التي بشّر بها « بوذا » في مواعظه وخطبه ، والحكم والكلمات السّديدة التي لقنها في مختلف المناسبات ، وتجلّت منها بوضوح الأهداف المنشودة من هذه الفلسفة ومبادئها الجوهرية .