تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
تجد فيها إلا توحيد اللّه ، وشرائط القربان ، وشيئا من الأحكام ، أما إذا أردت أن تعرف من الأسفار الخمسة التي تتألف منها التوراة شيئا عمّا كان في قلب موسى عليه السلام من الحبّ للّه ، والشّوق للقائه ، وكيف كان يطيع اللّه ويعبده ، وكيف كان توكّله على اللّه ، ويقينه به ، وكم أثرت الصفات الإلهية على قلبه ، فإنّك لا تجد فيها شيئا من ذلك . ولو كانت الشرعية الموسوية وأحكامها عامّة للبشر ، دائمة بدوام الدّهر ؛ لكان واجبا على أتباع موسى عليه السلام أن يقيّدوها بالحفظ والكتابة ، وأن يصونوها من عبث الدّهر بها ، لكن اللّه عز وجل لمّا لم يرد أن تكون شريعته عامّة خالدة لم يتح لها هذه العناية في الحفظ والتّخليد . والإنجيل مرآة صافية ، تجلّت فيها حياة عيسى عليه السلام ، لكننا نجد فيه أن اللّه ( تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) هو أبو عيسى عليه السلام . أما كيف كانت رابطة الأبوّة بين هذا الولد المقدّس ووالده ، فإن الولد يخبرنا بأن أباه كان يحبه حبّا جمّا ، لكنّنا لم نعلم إلى أيّ حدّ بلغ حبّ الولد لوالده ، وكيف كانت طاعة الابن لأبيه ، وهل كان يركع له ، ويسجد في النّهار ، أو في الليل ، وهل سأله شيئا غير خبز يومه ، وهل دعا أباه بدعوة في ليلة من الليالي قبل الليلة التي اعتقل في نهارها ؟ إنّنا لا نعلم هذا ولا ذاك . ولو أنّ سيرة سيدنا عيسى عليه السلام المذكورة في الإنجيل تحتوي على بيان العلاقة بين المخلوق وخالقه ، وتهدي المرء إلى ذلك هداية تامّة ؛ لما احتاج أول ملوك المسيحية أن يعقد مجلسا شهده ثلاثمئة حبر من أحبار الكنيسة بعد ثلاثة قرون ونصف قرن من المسيح ، ليبتوا الحكم في أمر المسيحية . ومع ذلك بقي أمر سيدنا عيسى عليه السلام سرّا من أسرار الزّمان ، وسيبقى سرّا في ضمير الزمان ، لا يعرب عنه لسان البحث . هذا فيما يتعلّق بحقوق اللّه ، أما حقوق الخلق ؛ فلا تراها مفصّلة أحكامها ، محكمة أصولها وأركانها في سيرة أحد من الأنبياء ، وتعاليمهم غير محمد صلّى اللّه عليه وسلم .