تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
فنقول : كيف يمكن اتخاذ الأسوة الكاملة التي تطمئن لها القلوب إن لم تكن جميع نواحي الحياة في الشخصيّة المقتدى بها معلومة ، وليس فيها ما يجهله الناس ، وما هو مكتوم عنهم وراء حجب التاريخ . إنّ المقتدى به والذي يتّخذ الناس من حياته أسوة لا بدّ أن تكون حياته كلّها واضحة صافية كالمرآة ، ليلها كنهارها ، لتبين للناس المثل العليا التي يحتذونها في حياتهم بجميع أطوارها ومناحيها .

ليس في أصحاب الدّعوات من يمكن التأسّي به إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلم :

إذا نظرنا إلى حياة أصحاب النّحل ، ودعاة الملل ، وهداة البشر من الأنبياء والرسل نظر الناقد البصير ، وتأمّلنا هداهم ، وسيرهم ؛ لم نجد فيمن تقدّم ذكرهم من يمكن أن يتّخذ من حياته مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وهديه ، وسيرته ، فهو الذي أرسله اللّه ليكون فيه أسوة لبني آدم في جميع نواحي حياتهم ، وأطوارها ، وأحوالها . وقد سبق لنا القول بأنّه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة ، ومع ذلك فإنّ التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم ، وشؤون حياتهم ، ودخائل سيرتهم إلا نزرا يسيرا ، وغير كامل ، فكيف يتسنّى للإنسان أن يتّخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النّواحي المختلفة ؟ أليس من المستغرب أنّ بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه ربع سكان المعمورة ، ولا يحفظ التاريخ من سيرته إلا عدّة أقاصيص وحكايات ، لو أننا نقدناها بمقاييس التاريخ لنتّخذ لأنفسنا قدوة من حياته وسيرته ؛ لخرجنا من ذلك خاسرين . إنّ إحدى تلك الأقاصيص تنبئنا بأنّه ولد في زمان غير معلوم في واد من أودية ( نيبال ) « 1 » في بيت « راجه » « 2 » ، فكان ذكيّا ، وذا طبيعة متوثبة ، وله نفس متدبرة ، وقلب حسّاس ، فلما بلغ أشدّه ، وتزوّج ، وصار أبا ؛ اتفق أن رأى جماعة من الفقراء والبؤساء ، فأثّر فيه منظرهم المؤلم ، وأثار في نفسه كامن الرّحمة والشفقة ، فخرج من
هامش
( 1 ) نيبال) Nepal (دولة في وسط جنوب آسيا بين الصين والهند . ( 2 ) راجه ، أي : ملك .
الرسالة المحمدية — صفحة 46 | سيد سليمان ندوى