امرئ القيس فمن بعده من شعراء الأمم - لم يكن منهم إلا إثارة كامن العواطف ، وتنبيه النائم من الأفكار ، أو إحداث لذة ، أو ألم في النفوس ، ولا ينتظر منهم أن يحلّوا معضلات الحياة الإنسانية ، وعويصات مشاكلها . وسبب ذلك أنّهم في سيرتهم وأعمالهم لا يقدمون للناس المثل التي تحتذى ، والأسوة التي يقتدى بهم فيها . ولقد وصفهم القرآن الكريم الحكيم أصدق وصف عندما ذكر سيرتهم بقوله :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ الشعراء : 224 - 227 ] وبهذا سجّل القرآن الحكيم على الشعراء أنّهم لا يؤثّرون بشعرهم اللطيف الحلو على المجتمع البشري ؛ لأنهم يهيمون في أودية الأفكار والعواطف بلا إيمان ، ولا عمل صالح ، ولو اجتمعت لهم هاتان الخصلتان - الإيمان والعمل الصالح - لكان لشعرهم أثر بارز في المجتمع البشري ، وعلى كلّ فإنهم ليسوا من الإصلاح في شيء ، ولا الإصلاح من شأنهم ، ولذلك لا يقدرون على القيام بمهمة إصلاح العالم ، وقيادة الناس إلى الرشاد الكامل والفلاح الشامل ، ويشهد على صدق هذه الحقيقة تاريخ الأمم في غابرها وحاضرها .
وكذلك نرى الفلاسفة والحكماء بهروا عقول الناس بفلسفتهم ، وحاولوا تغيير تيار الحياة البشرية ، فعرضوا على الناس من طريف الأفكار ومستحدث النظريات ما حيّر العقول ، وأدهش النفوس ، لكنّهم لم يقدّموا للناس من سيرتهم أسوة يؤتسى بها ، ولا أناروا ظلمات الحياة بقبس من أعمالهم تتضح به مشاكل الإنسانية ، فتتمكن من حلّ معضلاتها . وهذا أرسطو قد وضع في فلسفة الأخلاق قوانين أسّس بنيانها ، ووطّد أركانها ، ولا تزال الجامعات وأساتذتها عاكفين على دراستها : يلقون المحاضرات على طلبتهم في فلسفته ، ونسمعهم يثنون على ثقوب فكره ، وبعد نظره ،
هامش
- إليه المؤلفون اليونان أشعار « الإلياذة » و « الأوديسة » و « الأغاني الهوميرية » التي أثّرت تأثيرا عميقا على مستقبل الشعر اليوناني .