تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وعن هذه العقيدة نشأ التبتل « 1 » عند الهنادك ، والرّهبانية عند النّصارى ، وابتدعوا من رياضات الجسم أنواعا عجيبة أشدّها على الجسم أفضلها عندهم ، وأقربها إلى اللّه في زعمهم ؛ فمنهم من آلى على نفسه ألا يغتسل طول حياته ، ومنهم من لا يلبس إلا المسوح والثياب الخشنة ، وبعضهم آلى على نفسه أن يعيش عريان إلا من خرقة يستتر بها ، ماضيا على ذلك مهما أثرت فيه حمارّة القيظ ، أو زمهرير الشتاء ، ومنهم من لزم كهفا فلا يبرحه أبدا ، وبعضهم اختار لنفسه أن يبقى واقفا في حرّ الشمس طول حياته ، ومنهم من يحلف ألا يقتات إلا بورق الشجر ، ومنهم من بقي صارورة « 2 » حصورا لا يتزوج ، ومنهم من يعدّ من العبادة والقربة إلى اللّه منع التناسل ، وفيهم من يرفع إحدى يديه في الهواء ، ويبقى كذلك طول عمره حتى تيبس يده وتجف ، وكان بعضهم يحبس نفسه ما استطاع ، وهو يحسب أن ذلك من العبادة ، ولا يزال في الهند من يتعلّق بشجرة منكسا رأسه إلى تحت . وهذا كلّه وأمثاله مما كان عليه أتباع الأديان قبل مبعث محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ظانّين أنّ أعمالهم هذه من أقرب الوسائل إلى اللّه ، ومن أفضل ما تزكى به النفوس وتطهر به الأرواح ، فأنقذ اللّه عز وجل الإنسانية من هذا العذاب الأليم والأذى الشديد بالرسالة المحمدية الكاملة ، وأرشدهم إلى أنّ ما يحسبونه عبادة من هذا السخف والشرّ إنما هو من الملاهي التي يتعلّل بها من زاغ بصره ، والتوى عليه الرأي فظنّ في اللّه غير الحق ، وقد أعلنت الرسالة المحمدية للناس هذه الحقيقة : « إنّ اللّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم » « 3 » . وما يفعل اللّه بتعذيبكم لأجسادكم وجوارحكم .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] وجعل الرهبانية بدعة من عند الناس ، لا من عند اللّه
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
[ الحديد : 27 ] وفي الحديث النبوي « لا صرورة
هامش
( 1 ) التبتّل : الانقطاع عن الدنيا إلى اللّه تعالى ، وكذا ( التبتيل ) ومنه قوله تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [ المزمل : 8 ] . ( 2 ) الصّارورة : يقال لمن لم يتزوّج . ( 3 ) رواه مسلم في كتاب البر ( 2564 ) .
الرسالة المحمدية — صفحة 210 | سيد سليمان ندوى