تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧

منشأ الخير والشرّ حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها :

والحق أنه ليس في الدّنيا شيء يصحّ أن يطلق عليه اسم الشر ، فالنار لا شك أنّها تحرق ، ولكنّ الإحراق في نفسه لا يعدّ خيرا ولا يسمى شرا ، فإن أوقدتها لتنضج عليها غذاءك ، أو لتقتبس منها قبسا تصطلي به من البرد فإنّ عملك هذا هو الذي يعدّ إحسانا ، ويطلق عليه اسم الخير . وإذا أضرمت النار لتحرق مأوى يأوي إليه فقير بائس لم يرتكب ذنبا فإنّ عملك هذا هو الذي يعد سيئة وشرّا ، بينما النار نفسها ليست بنفسها خيرا محضا لا شرّ فيه ، أو شرا محضا لا خير فيه ، وأنت الذي جعلتها بعملك خيرا أو شرا . والسيف القاطع لا يعدّ خيرا ، ولا شرّا ، بل أنت الذي تتّخذ منه ذريعة للخير أو الشر . والظلام لا يعدّ شرا لكنك إن تسترت به في جوف الليل لترتكب فيه السوء ، فالشرّ هو عملك لا الظلام ، وإن تواريت فيه لتعمل صالحا أو أويت فيه إلى الراحة ، والدّعة ؛ فهو خير . وقد خلق اللّه الأرض والسماء ، وجعل بينهما أشياء : الريح ، والسحاب ، والماء ، والنار ، والطين ، وخلق منهنّ أشياء ، وخصّ كلّ شيء بخصيصة ، وبثّ فيه قوة تناسبه ، ثم خلق الإنسان ، ووهبه الحكمة البالغة ، والبصيرة النافذة ، والآراء السديدة ، فنظر هذا المخلوق في الكون ، وتأمّل حسن تقويمه ، وعجيب تنسيقه ، وبديع نظامه ، فملكه الإعجاب به ، وملأ نفسه الاستغراب منه ، فلم يتمالك أن انطلق لسانه قائلا
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] ثم نادى في خشوع وخضوع لرب العالمين
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 79 ] ، كما فعل إبراهيم خليل اللّه ، وبجانب هذه الطائفة من البشر طوائف أخرى لم يكن لهم من بليغ الحكمة ، وسداد الرأي ، وثاقب الفكر ما ينقذهم من جحود اللّه والكفر به ، فالتبست عليهم حقائق العالم ، واشتبهت لهم خواص الأشياء والقوى المودعة فيها ، فجعلوا المادة علّة العالم ، وسبب خلقه ، وقالوا :
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[ الجاثية : 24 ] .