فاللّه ودود ، رؤوف ، حنّان بأكثر ممّا في الرجال من الودّ لأولادهم ، وما في الأب من الشفقة والرأفة نحو بنيه ، وما في الأم من الحنان على أولادها ، ومع ذلك فإنه سبحانه ليس بأب ولا أمّ ، وهو منزّه ، ومقدّس عن كلّ شائبة من شوائب البشرية .
فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات :
والأمر الثاني الذي أفضى بالأديان القديمة إلى فساد العقائد في معنى التوحيد : مسألة الصفات الإلهية . ومنشأ ذلك أن أتباع الأديان الآخرى قد فصلوا صفات اللّه عن ذاته ، وجعلوها مستقلة عنه ، وبذلك تعدّدت الآلهة ، وكثرت في جميع الفرق الهندوكية من الدين البرهمي ؛ لأنّهم اتخذوا من كلّ صفة إلهية إلها ، وجسموا تلك الصفة في صورة أو صاغوها في قالب ، ثمّ وسعوا نطاق الشرك ، وطبقوه على جميع ما شبّهت به صفات الإله من مختلف التشابيه ، ومتنوع التماثيل ، وصاغوا هذه الصفات ، وما شبهت به في صور وتماثيل وأوثان ، وبعد أن كان اللّه إلها واحدا لا إله غيره ، صار لهم ثلاثون وثلاثمئة مليون من الآلهة . وتفصيل ذلك أنهم أرادوا أن يعبّروا عن قوة اللّه وقدرته ، وظاهر أنّ اليد من مظاهر القوة والبطش ، فنحتوا للّه تعالى يدين قويتين من الحجر ، بل سوّلت لهم أنفسهم أن ينحتوا له كثيرا من الأيدي . وحاولوا أن يعبروا عن حكمته البالغة ؛ فجعلوا له رأسين ، واتخذوا له وثنا ذا رأسين ، وإذا تأملنا نحل الهنادك الكثيرة العدد ؛ بدا لنا أنّها لم تكثر هذه الكثرة الهائلة ، ولم تفترق إلى فرق كثيرة ، إلا لأجل تجسيمهم صفات الإله ، فإنّ اللّه عندهم ثلاث صفات عظيمات : الخلق ، والقيام على المخلوق ، والإماتة ، وإن شئت فلك أن تعبّر عن هذه الصفات بالخالقية ، والقيومية ، والإماتية ، وقد جعلت الفرق من الهنادك هذه الصفات الثلاث أشخاصا مستبدين أطلقوا عليهم أسماء :
برهما ، ووشنو ، وشيو ، فبرهما رمز للخالق ، ووشنو هو القيّوم ، وشيو هو المميت . ونجمت عن ذلك ثلاث نحل : نحلة يعبد أتباعها برهما ، ونحلة إلهها وشنو ، ونحلة معبودها شيو . وقد انفصل بعض هذه الفرق عن بعض . وهناك فرقة منهم تعبد فروج الرّجل والمرأة ؛ لأنهم تمثلوا بها صفة