تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
تقضي إلى الإشراك باللّه ، منذ نادى رسول الإسلام صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الحقيقة
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ثم نزلت سورة من قصار سور القرآن محت الأوهام الباطلة كلّها ، والعقائد الفاسدة التي نسجها الناس حول وجود اللّه ، وهي قول اللّه عز وجل
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
[ الإخلاص : 1 - 4 ] فكان الإسلام بذلك طاهرا من دنس الشرك ، نقيّا من كلّ شوائبه . إخواني وخلاني ! إيّاكم أن تظنّوا أنّ الرسالة المحمدية نفت شيئا ممّا للّه عز وجل من عظيم الرأفة ، وواسع الرحمة بعباده ، أو أبطلت ما للّه في عباده من حنان ، إنّها لم تفعل ذلك ، بل وثقت حبل اللّه الذي يسّره لعباده وزادته قوة . وإنما أبطلت ما زاد على ذلك من أوهام تفضي إلى تجسيم اللّه ، أو تمثيله بشيء من خلقه ، ومحت وسائل كاذبة تجرّ إلى الإشراك باللّه ممّا اتخذته الأمم السالفة ، فضلّت به ، وأضلّت ، وفيما عدا ذلك فإنّ الإسلام أشاد بما بين اللّه وعباده من رابطة هي أشدّ ، وأقوى من كلّ ما يمتّ به المخلوقون بعضهم إلى بعض من نسب ، ورحم ، وآصرة ، ودم ، فالإنسان الذي يعيش في طاعة اللّه أقرب إلى اللّه من قرابة الولد لوالده ، وقرابة الزوجة من زوجها . انظروا كيف أراد اللّه أن يعلّم الصالحين من عباده بأنه يحبّهم كما يحبّ الأب أولاده ، فأمرهم أن يذكروه كما يذكرون آباءهم ، أو أشدّ ذكرا . فهو عز وجل لم يشبه نفسه بالأب ، لكنّه شبه حبّه بحبّ الأب ، واجتنب ما يدلّ على القرابة الواشجة ، والرّحم الماسّة ، فأبقى من هذه العلاقة ما يدلّ على الحبّ ، ثم زاد الحثّ على أن يذكروه أشدّ ، وأكثر مما يذكرون آباءهم بقوله
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
[ البقرة : 200 ] لأنّ الصلة بين العبد وخالقه أشدّ ، وأسمى من جميع ما يمتّ به المرء إلى أحد من ذوي قرابته ، فقال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
[ البقرة : 165 ] ، والإسلام لا يسمّي اللّه أبا للناس ، بل يدعوه « رب العالمين » لأنّ الربّ أعلى مكانا من الأب ، وإنّ الصّلة بين الابن وأبيه عارض يفنى ، والصّلة بين المربوب وربه أثبت وأبقى ؛ لأنها مستمرة من أول نشأة المخلوق إلى أن تنتهي حياته بلا انقطاع ،
الرسالة المحمدية — صفحة 203 | سيد سليمان ندوى