« إنّ دماء الجاهليّة موضوعة تحت قدمي ، وأوّل دم أضعه دم ابن ربيعة ابن الحارث « 1 » » « 2 » .
وأبطل ربا الجاهلية ، وأول ربا أبطله ربا عمه العباس بن عبد المطلب .
وتأتي الكرامة والشرف مع النفس والمال . وإنّ معالجة الأمور المتعلقة بأعراض الناس وشرفهم من أشدّ الأمور وأعضلها ، وإصلاح ذلك يعد غضّا من كرامات الناس ، ونيلا من شرفهم ، لذلك قلما اجترأ المصلحون على إصلاح الرسوم الفاسدة المتمكنة من نفوس الناس ، والضاربة جذورها في أعماق قلوبهم ، حتى إنّها لتجري في عروقهم مجرى الدم . أما الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فإنه علّم الناس المساواة بين جميع الطبقات ، ودعاهم إلى الأخوة الإنسانية بأدقّ ما تصل إليه معانيها ، حتى إنّ الرقيق الذي كان في اصطلاح الجاهلية
هامش
( 1 ) اسم هذا القتيل إياس ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل .
( 2 ) هذه قطعة من الخطبة ، ونذكر هنا نص الخطبة بكاملها ، للموعظة البليغة ، والفوائد الكثيرة التي تشتمل عليها وهي : « يا أيها الناس ! إني لا أراني وإياكم نجتمع في هذا المجلس أبدا . إنّ دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كلّه ، فاتقوا اللّه في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه ، ولكم عليهم ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللّه ، وأنتم تسألون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس : « اللهمّ اشهد » ثلاث مرات ( معدن الأعمال ( 1107 ) - عن وابصة رضي اللّه عنه رواه ابن عساكر - وروى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر : ولما فرغ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من الخطبة نزلت هذه الآية الكريمة في نفس المكان : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] .