المعدن . إنّه لم يدع الناس إلى فضيلة إلا بدأ بها بنفسه . لم تكن دعوته كلمات عذبة يرسلها على الناس ، ولكنها كانت عملا يتقدّم به إلى الإنسانية ؛ ليكون لها منه أسوة وقدوة .
إنّ دعاة الديانات الآخرى يسمعون الناس مواعظ حلوة من أقوال أنبيائهم ، ومصلحيهم . أما دعاة الإسلام فيقدّمون للإنسان أمثلة عملية من سنة نبيهم وهديه . ولذلك كتب اللّه الخلود لهذه السنة وهذا الهدى ، والدّين الإسلاميّ كما يدعو الأمم إلى كتاب اللّه يدعوها كذلك إلى سنة نبيه الكريم :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] . إنّ هذا يدلّ على أنّ الرسول نفسه مثال لهذه الدعوة ، وحياته حياة مثالية للبشر جميعا ، وهذا من خصوصيات الإسلام ، فكما سنّ الإسلام للناس القوانين والأحكام ، عرض عليهم كذلك حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لتكون مثلا لهم يقتدون بها في حياتهم .
ولذلك كان يقول لهم : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » « 1 » . وكانوا يتداولون أخباره في آداب المعاشرة مع الأولاد ، والأزواج ، ويروون قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي » « 2 » .
ولما وقف بعرفات في حجّة الوداع كان عدد أصحابه من حوله نحو مئة ألف أو يزيدون ، فبلغ رسالات ربه الأخيرة ، وأعلن فيهم أحكامه ، وأبطل بقايا رسوم الجاهلية ، ومحا ما بقي عالقا من آثار مفاسدها ، واستأصل شرّها ، وأزال أسباب الحروب بين الأمة العربية ، وأبطل دواعي الملاحم التي لم تكن قبل ذلك تنقطع . لكنّه لما أعلن إبطال دواعي الجاهلية بدأ بنفسه أولا ، فقدّم من عمله ما يدعو الناس إلى أن يقتدوا به ، فخاطب مئة ألف من العرب الذين شهدوا موسم الحج قائلا لهم :
هامش
( 1 ) رواه البخاري عن مالك بن حويرث ، في الأذان باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة ( 631 ) .
( 2 ) رواه الترمذيّ عن عائشة - رضي اللّه عنها في المناقب باب في فضل أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( 3895 ) .