الطائف لم ينسه طول حياته . ولقد سألته عائشة بعد ذلك بتسع سنين عن أشدّ ما لقيه من بلاء فأخبرها بأنه يوم الطائف ، وكان بعد ذلك أن زحف المسلمون على الطائف في السنة الثامنة للهجرة ، وحاصروها ، فأطالوا حصارها ، واستعصى عليهم حصنها الحصين الذي قتل فيه كثيرون منهم ، فهمّ الرسول أن يرجع عنهم ، لكن أصحابه أبوا إلا الفتح ، وسألوا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أن يدعو على أهل الطائف ، فرفع يديه إلى السماء يدعو فقال : اللّهمّ اهد أهل الطّائف ، اللّهمّ ألن قلوبهم للإسلام ، ومكّنه فيها » .
هذه هي رحمة الرسول ، وسعة صدره ، وسجاحة خلقه ، وكرم نفسه ، يدعو بالخير للذين آذوه بالشرّ أشدّ الأذى ، وأبوا أن يجيروه حين استجار بهم ، ثم قاتلوه أشدّ القتال ، ومع كل هذا لم يسأل اللّه لهم إلا أعظم ما يعلمه من الخير ، وهو الهدى . أرأيتم رجلا آخر في الدنيا بلغت الرحمة من قلبه هذا المبلغ ؟ أجيبوني باللّه عليكم ، ولا تقولوا إلا الصدق .
دارت رحى الحرب على المسلمين بعد أن كانت الغلبة لهم ، وذلك لأنهم خالفوا أمر الرسول ، واستهوتهم أموال المشركين ، فاشتغلوا بجمع الغنائم ، وحينئذ كرّ عليهم العدوّ ، فانهزموا ، وزلزلت أقدامهم ، فأحاط المشركون بالرسول ، ورموه بالسهام والحجارة ، وقاتلوه بالسلاح ، فانكسرت ثنيته ، وشجّ رأسه ، ودخل فيه ثلاث حلقات من البيضة ، وتضرّج بالدم ، فلم يزد صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك الموقف الرهيب على أن قال : « كيف تفلح أمّة تقتل نبيّها ؟ اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون ! » ، وإذا كان المسيح عيسى ابن مريم قد قال في عظة الجبل « أحبب عدوك » فإن محمّدا رسول اللّه لم يقتصر على إرشاد الناس بلسانه بأن يحبوا أعداءهم ، بل أراهم بسيرته وعمله كيف يكون موقفهم من أعدائهم .
هامش
- غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » . وجاء هذا الدعاء في تاريخ الطبري بهذه الألفاظ [ الطبري 2 / 230 ] .