بشجرة ، وعلّق فيها سيفه ، ثم ساوره النوم ، وقد ابتعد عنه الصحابة ، وتفرقوا لحاجاتهم ؛ إذ جاءه أعرابيّ من المشركين كان يرصده ، فأخذ السيف ، واخترطه ، ودنا من الرسول ، فاستيقظ صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له الأعرابيّ :
من يعصمك مني ؟ فقال له الرسول وقلبه مطمئن وجأشه رابط : اللّه ! فلما سمع المشرك هذا الجواب الذي لم يكن يرتقبه تأثر ، وأغمد السيف ، وفي غضون ذلك رجع بعض الصحابة والأعرابيّ لابث لم ينصرف ، فلم يتعرض له الرسول ، ولم يعاقبه على ما كان همّ به . وكذلك وقع في أسر المسلمين أعرابيّ كان راصدا لقتل الرسول ، فلما أحضر إليه صلّى اللّه عليه وسلم ذعر الأسير ، فسكّن الرسول روعه وخفف عنه وقال له : لو أردت قتلي ؛ ما قدرت عليه .
وقبض المسلمون على ثمانين من المشركين يوم فتح مكة ، وكانوا ممّن يحرصون على قتل الرسول ، فلما بلغه أمرهم ؛ أمر بتخلية سبيلهم ، ولم يمسسهم بسوء .
إخواني ! إنكم تعلمون الطائف وأهلها ، وكيف قابلوا الرسول بالشرّ والأذى أيام كان في مكة يعاني صنوفا من المصاعب والمعضلات ، إنّ أهل الطائف لما عرض عليهم الرسول نفسه ليجيروه ؛ جبهوه ، وردّوه أقبح ردّ ، ولم يصغوا إلى دعوته ، إنّ سيد الطائف ورئيسها عبد ياليل « 1 » استهزأ به هو وعشيرته ، وأغرى به طغام أهل الطائف ، وسفلتها ؛ ليسخروا منه ، فلما مر بالطريق وقد اصطفوا صفّين رموه بالحجارة ، فجرحت قدماه ، وسالت منهما الدّماء على حذائه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم كلما جلس يستجمّ من التعب يمنعونه من الجلوس ، وإذا مرّ بهم يرجمونه بالحجارة « 2 » . وإن ما لقيه من أذى أهل
هامش
( 1 ) هو عبد ياليل الثقفي ، الّذي كان قد أرسل العبيد والغلمان خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الطائف ليرموه بالحجارة ، يحضر في النهاية إلى المدينة ، ومنها حمل إلى قومه جواهر الإيمان واليقين .
( 2 ) ولكن قلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان مملوآ بحب اللّه وعظمته بعد ما كابد في هذا السفر من الأذى والألم ، فدعا اللّه بالكلمات التالية : « اللهمّ إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ -