تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ويستفتح على المشركين ، ويسجد للّه تارة وهو يقول : « اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك ! اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم ! » « 1 » . وربما وقع الخلل في صفوف المسلمين ، وتفرقوا عن الرسول ، فيبقى هو ثابتا في موضعه كالجبل الذي لا يزعزعه شيء واثقا بربه متوكلا على تأييده راجيا نصره ، كما وقع في سفح أحد حين تفرق عنه أكثر الصحابة ، فثبت هو مكانه ، والمشركون تارة يحملون عليه بالسيوف ، وأخرى يشدّون عليه بالرماح ، ويرمونه أحيانا بالحجارة والسهام ، حتى انكسرت ثنيته ، وشدخ رأسه ، ودخلت في رأسه حلقة المغفر ، ففي تلك الساعة الرهيبة كان واثقا بنصر اللّه الذي وعده بعصمته فلا يخذله ، وكذلك وقع في حنين حين كانت سهام المشركين تقع على المجاهدين المسلمين كالمطر ، فتفرّق المسلمون ، لكنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لم يبرح مكانه ، بل ظلّ ثابتا يدعو الناس إلى اللّه وهو يقول :
أنا النّبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب « 2 »
هامش
( 1 ) راجع السيرة النبوية لابن هشام و « زاد المعاد » لابن قيم الجوزية ، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : « لما كان يوم بدر نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه ، فجعل يهتف بربّه « اللهمّ ! أنجز لي ما وعدتني ! اللّهمّ آت ما وعدتني ! اللّهمّ ! إنّك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ! » فما زال يهتف بربّه مادّا يديه ، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه . [ مسلم ( 4588 ) ] . لقد شفع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لهذه العصابة المؤمنة في هذه الساعة الحاسمة الدقيقة ، بالكلمة الوجيزة التي تجلت فيها الثقة والاضطراب والسكينة والافتقار جنبا لجنب ، فكانت أدق تعريف بهذه الأمة وأدق تحديد لمركزها ومكانتها بين الأمم ، وقيمتها وغنائها في هذا العالم ، والثغر الّذي ترابط عليه ، وهو الدعوة إلى اللّه ، وإخلاص الدين ، والعبادة له . وقد أثبت الانتصار الرائع المعجز الّذي أبطل كل تجربة ، صدق هذه الكلمة ودقتها ، وأنها كانت تصويرا دقيقا لهذه الأمة . ( العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي في « السيرة النبوية » ص 223 ، طبع دار ابن كثير ، دمشق ) . ( 2 ) رواه البخاري في المغازي ، باب غزوة حنين ( 2864 ) ومسلم في الجهاد والسير ، باب غزوة حنين ( 4615 ) .