تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
يركع للّه ويسجد أمامهم غير مبال بهم ، ولما نزل قول اللّه سبحانه
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
[ الحجر : 94 ] صعد بين جبل الصفا ونادى المشركين ، فلما اجتمعوا إليه بلّغهم دعوة اللّه ، وقد امتحنوه بضروب من الأذى ، حتى ألقوا عليه مرّة سلى جزور وهو قائم يصلي في فناء البيت الحرام ، بل أرادوا مرّة أن يخنقوه بالرداء ، وألقوا الشوك في طريقه ، لكنه صبر كما صبر أولو العزم من الرسل . ولما همّ عمه أبو طالب أن يخرج من ذمّته ، ويمسك يده عن حمايته ، قال له وقد حميت أنفته : « يا عم ! إنّ قريشا لو وضعوا الشّمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » « 1 » . وإنّ قريشا قد حصرته وبني هاشم في شعب أبي طالب مدّة ثلاثة أعوام ، ومنعوهم الطعام ، حتى كان الصبيان يتضورون جوعا ، واضطر الرجال أن يقتاتوا بورق الشجر ، ثم بيّتوا قتله ، لكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لم يداخله الخوف ، ولم يتردّد في تبليغ الرسالة التي بعث بها ، ثم خرج إلى المدينة واختفى في طريقه مع صاحبه أبي بكر في غار ثور ، وتتبعه المشركون حتى بلغوا مدخل الغار ، واقتربوا منه ، ولو نظروا إلى أقدامهم لرأوه ، وفزع أبو بكر في تلك الساعة العصيبة ، فقال : يا رسول اللّه ! إنما نحن اثنان ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم بصوت تمازجه الطمأنينة : « ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما ، لا تحزن إنّ اللّه معنا » « 2 » ووعدت قريش من يأتي به جائزة قدرها مئة من الإبل ، فخرج سراقة بن جعشم « 3 » يركض فرسه ، وبيده رمحه ، حتى اقترب من الرسول ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ! قد أدركنا ،
هامش
( 1 ) السيرة النبوية « لابن هشام » الجزء الأول ، ص 100 . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب التفسير ( 4663 ) . وفي ذلك يقول اللّه تعالى : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] . ( 3 ) هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، صحابي أسلم بعد غزوة الطائف سنة 8 ه ، أرسلته قريش ليقتاف أثر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين خرج إلى الغار مع أبي بكر - رضي اللّه عنه - توفي سنة 24 ه ، وله 19 حديثا مرويا في كتب الحديث .
الرسالة المحمدية — صفحة 161 | سيد سليمان ندوى