تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وكان أبو بكر يكثر الالتفات يمينا ويسارا ، أما الرسول فكان هادىء النفس ، مطمئن القلب ، يذكر اللّه ، ولا يلتفت إلى شيء ، وبعد أن نجاه اللّه وبلغ المدينة لم يأمن غوائل قريش ، ومكايد اليهود ، فكان محاطا بالأخطار من كلّ جانب ، حتى كان المسلمون يحرسون بيته في الليل ، فنزلت هذه الآية
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] فخرج لساعته من الخيمة وقال للذين يحرسونه : اذهبوا فإنّ اللّه وعدني بعصمته ، وتولّى حفظي « 1 » . ورجع من غزوة نجد « 2 » ، فاستظلّ بشجرة في ساعة الهاجرة ، وتفرّق عنه أصحابه ، ولم يبق عنده أحد ، ولما غلبته عيناه جاءه أعرابي من المشركين وقد سلّ سيفه ، فانتبه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال له الأعرابي : « من يعصمك منّي ؟ » ( تأمل حرج هذا الموقف ) ، فأجابه صلّى اللّه عليه وسلم وجأشه رابط ، وقلبه مطمئن بالإيمان : « اللّه ! » فما طرقت هذه الكلمة سمع الأعرابي حتى تأثر بها وأغمد سيفه « 3 » . وخرج المسلمون إلى ساحة بدر في قلّة من العدد والعدد ، وهم لا يزيدون على ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتلا بعضهم معه سيف بلا رمح ، وبعضهم معه رمح ولا سيف معه ، وعدوهم نحو ألف مقاتل في سلاح تامّ وعتاد كامل ، فالتقى الجمعان ، وحمي وطيس الحرب . ترى أين هو قائد جيش المسلمين ؟ انظر ، هاهو قد اعتزلهم لاجئا إلى ربه يدعوه تارة ،
هامش
( 1 ) قالت عائشة - رضي اللّه عنها - : سهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذات ليلة ، فقلت : يا رسول اللّه ! ما شأنك ؟ قال : « ألا رجل صالح يحرسنا الليلة » . فقالت : بينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح ، فقال : « من هذا » قال : سعد وحذيفة ، جئنا نحرسك . فنام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ، ونزلت هذه الآية ، فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأسه من قبة أدم ، وقال : « انصرفوا يا أيها الناس ، فقد عصمني اللّه » ( أسباب النزول ، للواحدي ، ص 158 ) ، طبع دار ابن كثير بدمشق . ( 2 ) سميت هذه الغزوة « غزوة ذات الرقاع » . ( 3 ) انظر الحديث بكامله في صحيح البخاري في كتاب المغازي ، باب « غزوة ذات الرقاع » ( 4135 ) .
الرسالة المحمدية — صفحة 162 | سيد سليمان ندوى