تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
عنها ، وصفح . فلما رأت هذا العفو النبيل أكبرته ، ولم تتمالك أن صاحت قائلة : يا محمد ! لم يكن أهل خباء أبغض إليّ من أهل خبائك قبل اليوم ، وأنا اليوم ليس أهل خباء أحبّ إلي من أهل خبائك ! وبعد فتح الطائف خرج وحشيّ « 1 » قاتل حمزة رضي اللّه عنه هاربا يلتمس مكانا آخر ، فاختبأ به ، فلما أظلّ سلطان الإسلام هذا المخبأ الذي لجأ إليه وحشيّ قال له قائل : إنك لا تعلم ما نعلم من أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، إنك لن تجد لنفسك مأمنا إلا عنده ، فحضره خائفا ، فلما وقع عليه نظر النبي صلّى اللّه عليه وسلم غضّ عنه بصره ، وتذكر في تلك اللحظة عمه حمزة ، وقتله بيد هذا الرجل ، فذرفت الدّموع من عينيه الشريفتين ، وهاهو القاتل أمامه ، ولو أراد أن يقتصّ منه لكان ذلك حقا وعدلا ، لكنه عفا عنه ، واكتفى بأن صرفه قائلا : « إليك عني ! فإني إذا رأيتك تذكرت عمّي حمزة وشهادته » . وهذا عكرمة « 2 » وأبوه أبو جهل كانا أعدى عدوّ للإسلام ، والمسلمين ، ولرسول اللّه خاصّة ، فأبو جهل آذى النبي الكريم أذى لم يؤذه أحد مثله ، وابنه عكرمة قاتل المسلمين ، فلمّا فتح اللّه مكة لرسوله خاف على نفسه مما فعله هو وأهل بيته بالنّبيّ والمسلمين ، ففرّ ناجيا بنفسه إلى اليمن ، وكانت زوجه قد أسلمت من قبل ، وعرفت الرسول حقّ المعرفة ، فذهبت بنفسها إلى اليمن ، وربطت على قلب زوجها ، وهدّأت روعه ، ورجعت به إلى المدينة ، فلما بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم قدومه سارع إليه يرحب به ، حتى سقط عنه رداؤه ، ثمّ قال لعكرمة بن أبي جهل وهو فرح مسرور : « مرحبا بالرّاكب المهاجر » وهل تعلمون بمن يرحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن هو هذا القادم الذي فرح صلّى اللّه عليه وسلم بقدومه حتى سقط عن منكبه رداؤه ، وشمله بعفوه ، وصفحه ؟
هامش
( 1 ) بعد إسلامه كان لا يرفع وجهه أمامه صلّى اللّه عليه وسلم خجلا وندامة ، ثم كفّر عن جريمته السابقة بقتل مسيلمة الكذاب . ( 2 ) هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي ، من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام ، بعد إسلامه كان من أجلاء الصحابة ، وكبار المجاهدين ، والفاتحين ، استشهد في اليرموك سنة 13 ه .