ويوم الخميس من كلّ أسبوع ، كذلك كان دأبه وهديه في الصّوم .
وأمر المسلمين بإيتاء الزّكاة ، وإنفاق المال في الخير ، لكنّه بدأ ذلك بنفسه . وقد علمت شهادة أم المؤمنين خديجة له في ذلك يوم قالت له : إنك تحمل الكل ، وتعين على نوائب الحق ، وتكسب المعدوم ، إنه لم يأمر الناس بأن يتبعوه في ترك الدّنيا ، ولم يقل لهم ضحّوا بكل ما في أيديكم من أموال ، ولم يخبرهم بأنّ ملكوت السّماوات موصدة أبوابه في وجوه الأغنياء ، وإنما الذي أوصاهم به أن يتصدقوا ببعض أموالهم كما قال اللّه عز وجل
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] . هذا بينما رسول اللّه نفسه لم يكن يدّخر من المال شيئا في بيته ، بل كان ينفق في سبيل اللّه جميع ما كان يملكه ، ولم يكن قليلا ما كان يأتيه من خمس الغنائم من ذهب ، وفضة ، ومتاع ، وغيره من عرض الدنيا ، فكان يخرج عنه كله لغيره من الفقراء والمساكين ، ولم يكن يتمتّع هو ولا أهل بيته بمتع الحياة الدنيا ، فكان حظه وحظّ أهل بيته من الدنيا الفقر والتعفف ، وكان من سنته بعد أن فتحت أرض خيبر أن يوزّع على أزواجه من الطعام والحبوب ما يكفيهم عاما ، لكنه قبل أن ينقضي العام كان ينفد ما وزعه على أزواجه ، فيمسهم الجوع والسغب « 1 » ؛ لأنه كان ينفق على المحتاجين وعلى الضيوف مما يجده في بيوت أزواجه ، يقول عبد اللّه بن عباس : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان أسخانا وأجودنا ، وهو أسخى ما يكون في شهر رمضان ، ولم يقل لسائل : « لا » قطّ طول حياته ، ولم يأكل شيئا وحده مهما كان قليلا ، بل يشرك فيه أصحابه ، وقد آذن الناس أن « من مات وعليه دين فدينه عليّ أقضيه عنه ، وما ترك من ميراث فميراثه لورثته » .
جاءه يوما أعرابيّ ، فقال : يا محمد ! إن هذا المال ليس لك ولا لأبيك ، فأوقر منه جملي ، فحمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الشعير والتمر ، ولم يسخط عليه ما أغلظه من القول ، ثم قال : إنما أنا قاسم ، وخازن ، واللّه هو المعطي . يقول أبو ذر : كنت يوما أمشي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حرّة المدينة ،
هامش
( 1 ) السغب : الجوع مع التعب .