تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
النصر المبين بقلب ذاكر ، ولسان بالدعاء ناطق ، وناصية لعظمة اللّه ساجدة على الأرض ، لقد أقام الصلاة لأوقاتها ، ولم يؤخرها إلا مرتين : فقد فاتته مرّة في غزوة الخندق حين تألب عليه المشركون واليهود ، ولم يمهلوه حتى يؤديها في وقتها ، ومرّة أدلج الليل بطوله ، ثم غفا غفوة هو وأصحابه ، فطلعت عليهم الشمس ، ولم يستيقظوا حتى أيقظتهم بأشعتها ، فقضى ما فاته من الصّلاة ، ثم لم تفته صلّى اللّه عليه وسلم حتى في مرضه الذي توفي فيه ، بل قد اشتدّ به المرض ، ووهنت قوته ، فخرج مع ذلك متهاديا بين رجلين من حجرته إلى أن بلغ المسجد ، وصلّى مع الجماعة ، وقد غشي عليه ثلاث مرات قبل وفاته بثلاثة أيام ، فكان كلما همّ أن يذهب إلى المسجد غشي عليه ، ففاتته الصلاة مع الجماعة ، هذا ما كان عليه الرسول من عبادة اللّه وذكره ، وهذا ما تركه خلفه لم يأتسون به في عبادته ، وذكره للّه عز وجل . وأمر المسلمين بالصوم ، وليس على المسلمين إلا صوم رمضان ، ولكن ما ظنّكم بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم وصومه ؟ إنه قلّما يمرّ به شهر ، أو أسبوع من شهر إلا كان يصوم فيه ، تقول عائشة : كان صلّى اللّه عليه وسلم يصوم حتّى يظنّ أنّه لن يفطر « 1 » . ونهى المسلمين عن صوم الوصال ، لكنه يواصل الصوم يومين بل ثلاثة أيام متوالية ، لا يأكل فيهن ، ولا يشرب ، وذلك الذي يقال له صوم الوصال . وكان بعض الصحابة يحبّ أن يقتدي به في ذلك ، فيقول صلّى اللّه عليه وسلم : « لست كأحدكم ، أيّكم مثلي إنّ ربّي يطعمني ويسقيني » « 2 » وربما كان يصوم شهرين متواليين : شعبان ورمضان . وكثيرا ما كان يصوم الأيام البيض ( الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ) من كلّ شهر ، وكان يصوم ستّا من شوال ، ويوم عاشوراء من المحرم ، وكثيرا ما كان يصوم يوم السبت
هامش
( 1 ) وفي البخاري ، عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يصوم حتى نقول : لا يفطر ، ويفطر حتى نقول : لا يصوم ، وما رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان . [ البخاري ( 1969 ) ] . ( 2 ) وفي البخاري : عن أنس - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تواصلوا » ، قالوا : إنّك تواصل ، قال : « لست كأحد منكم ، إنّي أطعم وأسقى ، أو إنّي أبيت أطعم وأسقى » [ البخاري ( 1961 ) ] .
الرسالة المحمدية — صفحة 155 | سيد سليمان ندوى