تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فاستقبلنا جبل أحد ، فقال : « أبا ذر ! » قلت : لبيك يا رسول اللّه ! قال : « ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا تمضي عليّ ثلاث ليال ، وعندي منه دينار ، إلا شيء أرصده لدين » « 1 » . إخواني ! لا تحسبوا أن ما قاله صلّى اللّه عليه وسلم إنما هو كلمات عذبة ، وألفاظ يتجمّل بها ، بل قال ما قاله عن عزيمة ، ولم يظهر للناس إلا ما كان يكنّه صدره ، ويعمل به مدّة حياته ، جاءه مرة من البحرين ذهب ، وفضّة ، وأموال جمّة ، فأمر بوضع ذلك كله في فناء المسجد ، ثم غدا على الناس يصلي بهم الصبح دون أن تقع عينه على ذلك المال في الجهة التي وضع فيها ، فلما انصرف من الصلاة دعا الناس ، وطفق يوزع المال عليهم حتى فرغ منه ، فقام ينفض يديه وثوبه لئلا يكون علق بثوبه الطاهر شيء من غبار ذلك المال ، وجاءه من فدك أربعة جمال موقرة بالطعام ، فقضى به بعض ديونه ، وآتى منه بعض الناس ، ثم سأل بلالا : هل بقي من ذلك الطعام شيء ؟ فأجابه بلال : لقد بقي منه شيء وليس هاهنا من يأخذه . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : لا أدخل بيتي ما بقي منه شيء . وبات تلك الليلة في المسجد ، فلما أصبح بشره بلال قائلا : إنّ اللّه قد وضع عنك . يعني : أنّ بقية الطعام قد قسمت ولم يبق منه شيء ، فشكر اللّه . ودخل بيته ذات يوم بعد صلاة العصر على غير عادته ، ولم يلبث أن خرج منه فاستغرب الناس ذلك ، فقال لهم : إني تذكّرت في الصلاة أن في بيتي شذرة من الذهب فخشيت أن يجيء الليل ، وهي في بيت محمد . ودخل بيته ذات يوم حزينا كئيبا ، فسئل عن ذلك ، فقال : يا أمّ سلمة ! إنّ ما جاءنا من الدنانير السبعة قد بقي في الفراش ، وقد حان المساء . وممّا يدلّ على زهده صلّى اللّه عليه وسلم في الدّنيا ومتاعها : أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مرض مرضه الذي توفي فيه ، وكان يتقلب على فراشه من شدّة المرض ، فتذكر وهو في هذه الحالة أنّ في بيته دنانير ، فأمر أن يتصدّق بها ، وقال : أيلقى
هامش
( 1 ) وفي مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا تأتي عليّ ثالثة ، وعندي منه دينار ، إلّا دينار أرصده لدين عليّ » ( أي أعدّه ) . [ مسلم ( 2302 ) ] .