تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
القرآن إلا وقد بينه الرسول للناس بقوله ، وعمله ، وخلقه هديا وسمتا . جاء بعض الصحابة إلى أم المؤمنين عائشة يسألونها أن تصف لهم أخلاق الرسول ، وتصرفاته ، فأجابتهم : ألم تقرؤوا القرآن الكريم ؟ لقد كان خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم القرآن « 1 » . فآيات القرآن ، وسوره أصوات وكلمات ، وعمل الرسول وخلقه معانيها وتفسيرها ، وليس في الدنيا إنسان أكثر علما بالرّجل من حليلته ، فهي التي تعلم من فضائل زوجها ، وأخلاقه ، وعاداته ما لا يعلمه أحد غيره ، ولما ادّعى الرسول النبوة كان قد مضى على زواجه بخديجة خمسة عشر عاما ، وهذه مدّة تكفي المرء أن يعرف أحوال صاحبه ، وأخلاقه ، وعاداته معرفة تامّة ، فحين سمعت خديجة أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم نزل عليه الوحي ؛ بادرت بتصديقه ، وآمنت به ، بل إنّ الرسول حين فزع من نزول الوحي عليه ، ومجيء الملك إليه - لأنه لم يعهد ذلك من قبل - هدّأت خديجة جأشه ، وربطت على قلبه ، وخففت عنه ما يلقاه ، وقالت له : كلّا ، واللّه ! ما يخزيك اللّه أبدا ، فإنّك تصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتنصر المظلوم ، وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحقّ « 2 » ، وهذا الذي ذكرته خديجة هو الذي يتحلّى به الرّسول من مكارم الأخلاق ، وفضائل النفس قبل أن يوحى إليه .
هامش
( 1 ) أخرج مسلم عن سعد بن هشام - رضي اللّه عنه - قال : سألت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها - فقلت : أخبريني عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ ! قلت : بلى ، فقالت : « كان خلقه القرآن » [ مسلم ( 1739 ) ] . أرادت بذلك على ما قيل : إنّ ما في القرآن من المكارم كلّه كان فيه صلّى اللّه عليه وسلم ، وما فيه من الزجر عن سفساف الأخلاق كان منزجرا به عليه الصلاة والسلام ، لأنه المقصود بالخطاب بالقصد الأول كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ الآية ، قال المرصفي : أرادت بقولها : كان خلقه القرآن : تخلّقه بأخلاق اللّه تعالى لكنّها لم تصرّح بها تأدّبا منها . ( شرح حياة الصحابة ، للشيخ محمد إلياس الباره بنكوي ، ص 6 ، الجزء الثالث ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي ، وهذا بعض الحديث .