كيف نتّبع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم وفيم نتبعه ؟
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الأحزاب : 21 ] .
كيف نتبع الرسول ، وفيم نتبعه ؟ ذلك ما أتحدّث لكم عنه في السيرة المحمّدية في ناحيتها العمليّة ، وذلك ما خلت منه صحائف حياة الأنبياء عليهم السّلام ، أما لو نظرتم إلى هذه الناحية في السيرة المحمّدية ؛ فستجدون حياة مليئة بالأعمال الجليلة ، عامرة بشتّى الأفعال ، وهذا الباب من كتاب سيرته صلّى اللّه عليه وسلم من أوسع الأبواب ، وأعظمها ، وبه يحكم من شاء أن يحكم : أيّ نبيّ هو خاتم النّبيين ، وسيّد المرسلين ، أمّا من سبقه من الأنبياء والرسل فلم يصل إلينا من تفاصيل حياتهم ما يكون لنا أسوة فيه ، لأنّ الذي عرفناه من ذلك لا يشفي علّة ، ولا يروي غلّة ، والأحاديث الحلوة ، والمواعظ الحسنة ، والتعاليم العالية ليست قليلة في الدّنيا ، ولكن الذي يعوز الناس هو العمل بها . وهم إذا بحثوا عن العاملين بالمواعظ البليغة ، والحكم الرائعة ، والأقوال المأثورة ، والأمثال السائرة ، كانوا كأنّهم يبحثون عن عنقاء مغرب ، أو الكبريت الأحمر .
إنّ أخلاق المرء هي المرآة الصافية لسيرته ، ومظهر جليّ من مظاهرها ، وأيّ كتاب سماويّ غير القرآن يشهد لمن تنزل عليه بأنّه قد تحلّى بالأخلاق الحسنة ، والعادات السنيّة ، وأنّ صاحب ذلك الكتاب أعلى قدرا ، وأرفع مكانة من سائر الناس لما هو عليه من جليل الأعمال ، وقويم الأخلاق ، أمّا القرآن ؛ فقد أذاع بين أعداء الرسول وأوليائه قول اللّه عز وجل
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 3 - 4 ] « 1 » وإذا كانت إحدى
هامش
( 1 ) قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - في تفسير هذه الآية : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وهو الإسلام » ، وقال عطية : « لعلى أدب عظيم » ، وعن أنس - رضي اللّه عنه - قال : خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي : أفّ قطّ ، ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ؟ ( متفق عليه ) عن تفسير ابن كثير ( 4 / 493 ) .