تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الأموال والإعراض عن زينة الدنيا وزخارفها ، وما تراه من التبتّل إلى اللّه ، والانقطاع له في ابن عمر ، وأبي ذرّ ، وسلمان ، وأبي الدرداء « 1 » ، وما تجد في ابن عباس ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن مسعود من علم جمّ ، وفقه عميق في الدّين ، ورأي في الأحكام سديد ، وما تلاحظه على بلال ، وصهيب ، وعمار ، وخبيب من السكينة ، والسّلوى ، والطمأنينة ، وقويّ الإيمان ، والحنين إلى لقاء اللّه ، كل أولئك مقتبس من أنوار محمّد نبيّ اللّه ، ومهبط الوحي ، ومحط القرآن ، صلاة اللّه وسلامه عليه ، فهو كأنّه الشمس المضيئة تشرق ، فتنير بأشعتها قلل الجبال ، وبطون الأودية ، وصحارى الأرض ، ووهادها ، وبطاحها ، وتتلألأ بضوئها لجج الأنهار الجارية ونباتات الحقول السندسية ، كما تلمع بها البقاع القاحلة ، والرمال التي لا آخر لها ، فيأخذ كلّ منها نصيبه من الضوء على قدره ، بل كأنه صلّى اللّه عليه وسلم غيث يهطل من سحابة درور ، فيصيب الجبال الشماء ، والغابات اللفاء ، والصحارى القاحلة ، والساحات الواسعة ، والبطاح العريضة ، والحدائق الزاهية ، فيسقي جميع ذلك فينبت نباتات شتّى بالأوراق الجميلة ، والأزهار المنعشة ، والأشجار المتنوعة . نعم ، كان الصحابة - كسائر البشر - متفاوتين في طباعهم ، ومواهبهم ، وجبلاتهم ، لكنهم ائتلفوا جميعا بالإسلام ، واتّحدوا ، واشتركوا في غاية واحدة ، فكانوا يعملون لوجه اللّه ، ويبتغون بعملهم مرضاته عزّ وجلّ . سواء في ذلك قضاتهم ، وولاتهم ، وفقراؤهم ، وأغنياؤهم ، ورعاتهم ، ورعاياهم ، وغزاتهم ، وشهداؤهم ، وجنودهم ، وقوادهم ، والمعلمون منهم ، والمتعلمون ، والتجار ، والعبّاد ، والنّاسكون ، فكان الإخلاص رائدهم ، وهداية الخلق أملهم ، وإصلاح البشر غرضهم ، فالصّحابة هداة حيثما حلّوا ، وعاملون لإصلاح المجتمع البشري أينما ذهبوا . فإذا اختلفت
هامش
( 1 ) هو عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي ، المعروف « أبو الدرداء » صحابي من الحكماء الفرسان القضاة ، وفي الحديث : « عويمر حكيم أمتي » و « نعم الفارس عويمر » وهو أحد الّذين جمعوا القرآن حفظا على عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، توفي بالشام سنة 32 ه ، وله 179 حديثا مرويا .
الرسالة المحمدية — صفحة 144 | سيد سليمان ندوى