وطبقاتهم في الثقافة والمجتمع ، وأنه لم يكن هناك أيّ قيد يمنع أيّ إنسان من الالتحاق بها ، فكأنها مأدبة كريم يدعو الجفلى . فتعالوا نلق نظرة أخرى على هذه المدرسة ؛ لنصدر حكمنا الصحيح على حقيقتها ، ومكانتها ، ومنزلتها من معاهد الهداية والحكمة . ولنر إن كانت خاصّة بعلم دون غيره من العلوم ، أم هي جامعة كبرى يجد فيها طلاب المعارف أجمعون كلّ ما ينشدون ، ويتعطشون إلى معرفته من حقائق الوجود ، ليختاروا منها ما يوافق أذواقهم ، ويلائم طباعهم ، ويروي ظمأهم . انظر إلى مدرسة موسى عليه السلام ؛ تجدوا فيها عددا من قادة الجيش ، أو قضاة المحاكم ، أو طائفة قليلة من ذوي المناصب الدّينية ، وابحثوا عن تلاميذ عيسى سلام اللّه عليه ؛ تجدوا فيهم طائفة من الزهّاد والنساك ، يتنقلون بين سكك فلسطين ، ويتجوّلون في شوارع مدنها . أما الذين دخلوا في الإسلام ، واتّبعوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فتجدون فيهم أصحمة النجاشي « 1 » ملك الحبشة ، وفروة عظيم معان ، وذا الكلاع « 2 » رئيس حمير ، وفيروزا الديلمي ، ومركبود من سادة اليمن ورؤسائها ، وعبيدا وجيفرا من ولاة عمان . انظروا مرّة أخرى تجدوا يما يقابل هؤلاء الملوك والولاة والرؤساء بلالا ، وياسرا « 3 » ، وصهيبا ، وخبّابا ، وعمارا « 4 » ، وأبا فكيهة « 5 » من العبيد
هامش
( 1 ) هو أصحمة بن أبجر الملقب بالنجاشي ملك الحبشة ، هو ممن لم ير النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
( 2 ) هو ذو الكلاع الحميري ، كان حاكما على بعض مناطق اليمن والطائف ، وكان ملكا على قبيلة حمير القوية ، وكان يدّعي أنه إله ويأمر الناس بالسجود له ، ولما أسلم أعتق في يوم واحد ثمانية عشر ألفا من العبيد ، وفي عهد عمر الفاروق تخلّى من نفسه عن الحكم ، وقدم إلى المدينة المنورة حيث عاش فيها حياة كلها زهد ، وتقوى .
( 3 ) هو ياسر بن عامر المذحجي : صحابي ، من السابقين إلى الإسلام . آمن هو وزوجته وابنه عمار ، وعذّبهم مشركو قريش ، وقتل أبو جهل سمية ( زوجة ياسر ) . ومات ياسر في العذاب سنة ( 7 ) ق ه . الإصابة ( ت 9209 ) .
( 4 ) هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني ، هو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به . كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يلقبه « الطيب المطيّب » شهد معظم الوقائع ، شهد وقعة الجمل وصفين مع علي رضي اللّه عنه ، وقتل في الثانية سنة 37 ه . وله 62 حديثا مرويا .
( 5 ) هو أبو فكيهة مولى بني عبد الدار ، أسلم قديما بمكة ، وكان يعذّب ليرجع عن دينه فيمتنع ، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، توفي قبل بدر .