تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
محمدا بين أصحابه ، وقد فتح مكة ، ودخلها تحت رايات المجاهدين بأيديهم السيوف مصلتة لإقامة الحقّ ، والعوالي السمر مشرعة لتقويض دعائم الباطل . أما إذا رأيته وهو محصور مع ذويه في شعب أبي طالب ، وقد منع دخول الطعام والشّراب إليه من الخارج ، فكأنك ترى يوسف الصديق وهو في سجن مصر يعاني شدائد الظالمين ، ويكابدها . إنّ موسى قد جاء بالأحكام ، وداود امتاز بدعاء اللّه ، والتغني بمناجاته ، وعيسى بعث ليعلم الناس مكارم الأخلاق ، والزهد في الدنيا ، وأما محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقد جاء بكل ذلك بالأحكام ، ودعاء اللّه ، والتوجيه إلى مكارم الأخلاق ، والحضّ على الزهد في الدنيا وزينتها ، وكلّ هذا تجده في القرآن الحكيم لفظا ومعنى ، وفي السيرة المحمدية قدوة وعملا . سادتي ! وأحبّ أن ألفت أنظاركم إلى ناحية أخرى من نواحي السيرة المحمدية تدلّ على جامعيتها : إنّ في الدّنيا نوعين من المدارس : نوع يختص بفرع واحد من فروع المعرفة ، كالطبّ ، أو الهندسة ، أو التجارة ، أو الصناعة ، أو الفنون الحربية ، أو الزراعة ، أو الحقوق ، أو اللغة والآداب . ونوع يجمع هذه المعاهد العلمية كلها ، فمن قصده استطاع أن ينتسب إلى أيّ فرع شاء من فروع المعارف الإنسانية . وهذا النوع الثاني هو الذي تهرع إليه طوائف الطلبة من جميع البلاد ، فيجد فيه كلّ منهم ما تميل نفسه إلى التخصص فيه من العلوم ، وبهذا سمّيت مجموعة هذه المعاهد باسم ( الجامعة ) ، ومنها يتخرّج قضاة المحاكم ، والأطباء ، والمهندسون ، وقادة الجند ، والناهضون بعلوم الزراعة ، أو الصناعة ، أو التجارة ، والمتخصصون بالآداب وعلومها ، والثقافة العليا وفنونها . ومن البيّن الواضح للمتأملين أنّ المجتمع الإنساني لا يتمّ كماله ، ولا تسعد حياته بضرب واحد من العلوم ، ولا بصنف خاصّ من أهل الحرف والصناعات ، بل يحتاج إلى مجموع ذلك كلّه . وإذا استقصينا ما يعرفه التاريخ من سير الأنبياء ، ولا حظنا ما خلفوه من ثمرات أشجارهم ،