تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
بحذافيرها وما تفرّق منها في سيرة نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وسليمان ، وداود ، وأيوب ، ويونس ، ويوسف ، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام ، فكأنّ السيرة المحمدية بحر لجيّ تنصبّ فيه جميع الأنهار ، وتتصل به كل البحار من سير الأنبياء والرسل ، وهداهم ، وسننهم . روى الخطيب البغدادي « 1 » في تاريخه بإسناد ليّن : أن نداء سمع عند مولد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أن طوفوا بمحمد جميع البلاد ، واغطسوه في قعر البحار ليعرف العالم كلّه ، ثم اذهبوا به إلى جميع الإنس ، والطير ، والحيوان ، وأعطوه من خلق آدم ، ومعرفة شيث ، وشجاعة نوح ، وخلّة إبراهيم ، ولسان إسماعيل ، ورضا إسحاق ، وبلاغة صالح ، وحكمة لوط ، وشدّة موسى ، وصبر أيوب ، وطاعة يونس ، وجهاد يوشع ، ولحن داود ، وحب دانيال ، ووقار إلياس ، وعفّة يحيى وزهد عيسى ، واغمسوه في بحر أخلاق الرّسل كلّهم . والعلماء الذين رووا هذه الرواية في كتبهم أرادوا بها أن يعربوا عن حقيقة سيرة الرسول ، وأنّها كاملة جامعة ، وأنّ ما أعطي الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وحده ، وأن ما تفرّق من مكارم الأخلاق في الرّسل قد اجتمع فيه صلّى اللّه عليه وسلم .

مقارنات بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإخوانه الأنبياء :

تأمّلوا سيرة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ تجدوا فيها كلّ ما كانت به حياته المثالية كاملة . أليس الرسول المكيّ الذي خرج من بلده مهاجرا إلى يثرب يشبه الرسول الإسرائيليّ الذي خرج من مصر يريد مدين ؟ أليس الذي انزوى في غار حراء يعبد ربه كالذي قصد جبل سيناء ليناجي ربّه ؟ إن هذا يشبه ذلك مع فارق بينهما ، وهو أنّ عيني محمد كانتا مفتوحتين وعيني موسى كانتا مغمضتين ،
هامش
( 1 ) هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي ، المعروف بالخطيب ، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين ، كان فصيح اللهجة ، ولوعا بالمطالعة والتأليف ، توفي سنة 463 ه ، ومن أشهر كتبه « تاريخ بغداد » و « الكفاية في علم الرواية » .