تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وفي الجملة : إنّ كلّ ما ذكرته آنفا ليس من الإطراء في الثناء ولا من المبالغة في المدح ، بل هو من حقائق الواقع التي سجّلها التاريخ بأصحّ ما استطاع أن يسجّل به حقائقه . ومما لا ريب فيه أنه لا يستحق إنسان أن يكون قدوة للعالم في جميع مناهج الحياة إلا إذا اجتمعت فيه الخلال الشريفة كلّها ، والخصال الإنسانية الكاملة بأجمعها ممّا يحتاج إليه الناس في معايشهم ، فتكون لهم في سيرته أمثلة كثيرة ، وفي هديه أمور متنوعة ، تستنير بها كلّ طائفة من طوائف الناس ، وكلّ فرقة في كلّ أمّة من أممهم ، فيتخذون في أنفسهم سننا ، وآدابا ، ومناهج من حياته الشريفة لحياتهم الاجتماعية والعائلية ، وبذلك يكون الشخص العظيم المقتدى به هاديا للناس بأعماله ، وأخلاقه ، وخصاله عندما يكون في حالات الغضب ، أو الرحمة ، أو الجود ، أو الفاقة ، أو الشجاعة ، أو رقّة القلب ، فيهتدون به في هذه الأحوال بدنياهم كما يهتدون به بصحة الاعتقاد وسلامة العبادة لآخرتهم . فهو يجمع إلى إسعاد الناس في آخرتهم إسعادهم في حياتهم الدّنيا وأحداثها اليومية ، فييسر لهم خلافة اللّه على الأرض كما يدلّهم على مقام الكرامة في ملكوت السّماء . وهو مع ذلك يسنّ لهم السّنن ، ويشرّع لهم الأحكام لينظموا حياتهم في الأرض والسماء . وإن العفو ، والمسامحة ، واللين ، وخفض الجناح للآخرين من قوام الحياة الإنسانية ، ولا يسعد الإنسان إلا بلين القول ، والعفو عن الناس ، وخفض الجناح لهم ، ومن كان نصيبه وافرا من هذه الخصال كان المعلم العظيم ، والمحسن الكبير ، وإني أسائلكم فأجيبوني : هل هذه الخصال وحدها هي التي تكون في الإنسان ، أم تكون في أضدادها أيضا ؟ أليس في خصال الإنسان الغضب بجانب ما فيه من رحمة ، والعداوة بجانب الصداقة والخلّة ، والطّمع مع القناعة ، والشّره مع العفّة . أليس ينزع إلى الثأر كما يميل إلى العفو ، أليس هذا كله مما تقتضيه جبلّة الإنسان وغريزته ؟ إنّ المعلم الكامل هو الذين يستطيع أن يعتدل بين هذه الأحوال والخصال المتضادّة ، ويقيم الميزان في هذه النزعات والعواطف حتى يكسر سورتها ، ويخفف من شدّتها ، ويكون عادلا معتدلا ، فتكون له من سجاياه الطيبة مطية كريمة تبلغ به الغاية
الرسالة المحمدية — صفحة 122 | سيد سليمان ندوى