تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وحميّة تملأ جوانحه ، ونشاهده بطلا شجاعا ، يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم ، وهو مع ذلك رقيق القلب ، رحيم رؤوف ، متعفف عن سفك قطرة دم . وتراه مشغول الفكر بجزيرة العرب كلّها ، بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته ، وأزواجه ، وأولاده ، ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم ، ويهتمّ بأمر الناس الذين نسوا خالقهم ، وصدّوا عنه ، فيحرص على إصلاحهم . وبالجملة : إنّه إنسان يهمه أمر العالم كله ، وهو مع ذلك متبتل إلى اللّه ، منقطع عن الدّنيا ، فهو في الدّنيا وليس فيها ، لأنّ قلبه لا يتعلّق إلا باللّه ، وبما يرضي اللّه . لم ينتقم من أحد قطّ لذات نفسه ، وكان يدعو لعدوه بالخير ، ويريد لهم الخير ، لكنّه لا يعفو عن أعداء اللّه ، ولا يتركهم ، ولا يزال ينذر الذين قد صدّوا عن سبيل اللّه ، ويوعدهم عذاب جهنم . تراه زاهدا في الدّنيا ، عابدا ، يقوم الليل لذكر اللّه ومناجاته . كما تتصور من شمائله : أنّه الجنديّ الباسل المقاتل بالسّيف . وتراه رسولا حصيفا ، ونبيا معصوما في الساعة التي تتصوره فيها فاتحا للبلاد ، ظافرا بالأمم . وإنّه ليضطجع على حصير له من خوص ، ويتكئ على وسادة حشوها من ليف حينما يخطر على بالنا أن ندعوه بسلطان العرب ، وننادي به ملكا على بلاد العرب . ويكون أهل بيته في فاقة وشدّة عقب استقباله الأموال العظيمة آتية إليه من أنحاء الجزيرة العربية ، فتكون في فناء مسجده أكواما ، وتأتيه بنته وفلذة كبده فاطمة تشكو إليه ما تكابده من حمل القربة والطّحن بالرّحى حتى مجلت يداها ، وأثّرت القربة في جسمها ، والرسول يومئذ يقسم بين المسلمين ما أفاء اللّه عليهم من عبيد الحرب وإمائها ، فلا تنال بنته من ذلك إلا دعاءه لها بكلمات يعلّمها كيف تدعو بها ربّها . وجاءه ذات يوم صاحبه عمر ، فأجال بصره في الحجرة فلم يجد إلا حصيرا من خوص قد اضطجع الرسول عليه ، وأثر في جنبه ، وكل ما في البيت صاع من شعير في وعاء ، وعلى مقربة منه شنّ معلّق على وتد . هذا كل ما كان يملك رسول اللّه يوم دان له نصف العرب . فلما رأى عمر ذلك لم يتمالك نفسه من دموع تذرفها عيناه ، فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما يبكيك يا عمر ؟ ! فقال : ومالي لا أبكي ، إنّ قيصر ، وكسرى يتمتعان بالدّنيا ،