على البشر في منفسح حياتهم ، ومدى عيشهم ، وما ربما يعتري هذه الخصال في ساعات مختلفة من مضطرب حياة الإنسان ؛ فإنه يحتاج في كل ذلك إلى أسوة ، وهداية ممّن سبق له العمل بذلك ، وأنّى لنا هذه الأسوة الكاملة والهداية التامة إلا في حياة محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
إنّ حياة موسى عليه السلام تمثّل لنا القوة البشرية العظيمة ، والبطش الشديد ، ولكنّنا لا نعرف في المأثور عنه ما تكون لنا فيه الأسوة من ناحية دماثة الخلق ، وخفض الجناح ، وسجاحة النفس ، وسماحتها .
وفيما نعرفه من حياة المسيح نماذج لسماحة النفس ، ورقّة الطبع ، ودماثة الخلق ، ولين الجانب ، لكننا لا نجد فيما وصل إلينا من أخلاقه وأعماله تفاصيل عن شؤون حياته ، وأسرته ، تحرّك ساكن القوى ، وتثير كوامن النفس ، وتنبه القوى المتراخية . والإنسان في حياته محتاج إلى هذا وهذا ، فكما يحتاج إلى ما يهدىء ثائر قواه ، ويسكن جائشها ، يحتاج كذلك إلى ما يثير الكامن من هذه القوى ، ويهيج ساكنها ، وينبه المتراخي منها . إنّه في حاجة إلى حياة يتّخذها قدوة له في هاتين الحالتين المختلفتين ، على أن يكون بيد صاحبها ميزان العدل بالقسط تستوي كفّتاه ، ولن تجد الجمع بين هاتين الخصلتين المختلفتين جمعا قويما عزيز الوجود إلا في حياة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه هو الذي مثلت حياته أعمالا كثيرة متنوعة ، بحيث تكون فيها الأسوة الصّالحة ، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها ؛ لأنها جمعت بين الأخلاق العالية ، والعادات الحسنة ، والعواطف النبيلة المعتدلة ، والنوازع العظيمة القويمة .
إذا كنت غنيّا مثريا ؛ فاقتد بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم عندما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز والشام ، وحين ملك خزائن البحرين . وإن كنت فقيرا معدما ؛ فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب أبي طالب ، وحين قدم إلى المدينة مهاجرا إليها من وطنه ، وهو لا يحمل من حطام الدّنيا شيئا . وإن كنت ملكا ؛ فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب ، وغلب على آفاقهم ، ودان لطاعته عظاماؤهم ، وذوو أحلامهم . وإن كنت رعيّة ضعيفا ؛
الرسالة المحمدية — صفحة 117
مساهمون: سيد سليمان ندوى
ص١١٧