تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى غار ثور ، وهو على مسافة من مكة المكرمة بأسفله ، وسار هو وصاحبه الصديق فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرة ، وخلفه مرة ، فسأله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فقال : إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك . ويروى أنه قال إذا كنت أمامك خشيت الطلب ، وإذا كنت خلفك خشيت الرصد . وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال : « لقد خرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة انطلق إلى الغار ، ومعه أبو بكر ، فجعل يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « يا أبا بكر مالك تمشى ساعة خلفي ، وساعة بين يدي ، فقال : يا رسول الله أذكر الطلب ، فأمشى خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أبا بكر ، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني . قال : نعم ، والذي بعثك بالحق ، فلما انتهيا إلى الغار . قال أبو بكر : مكانك يا رسول الله حتى أستبريء لك الغار فدخل حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبريء الجحر ، فقال : مكانك يا رسول الله حتى أستبريء ، فدخل فاستبرأ ، ثم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل ، قال عمر : والذي نفسي بيده ، لتلك الليلة خير من ال عمر » « 1 » مكث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم مطمئنا إلى وعد الله تعالى ، راضيا بالمشقة في سبيل الدعوة ، وتبليغ الرسالة ، وقد رضى أن يفارق مكة المكرمة ، وهي أحب بلاد الله تعالى في سبيل إقامة الدولة الإسلامية ، التي لم يمكنه أهلها من الدعوة ، وحاولوا قتله ، وكانت هذه المحاولة مع عنادهم ، وكفرهم ، وجحودهم بالآيات سببا في أن يخرج يريد أرضا لدولة الإسلام في غيرها . علم المشركون ، أو العتاة منهم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم خرج ، وأن الذي نام مكانه علي ، وأنهم ترصدوا عليا ، وهم يحسبون أنهم يترصدون النبي عليه الصلاة والسلام ليقتلوه ، حاولوا أن يعرفوا من على أين ذهب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يجدوا عنده ما يطلبون ، فأخذوا يتقصون أثره ، ويتأثرون خطاه ليعرفوا أين يكون ، وأطلقوا في الأسواق والأماكن من يأتي به حيا أو ميتا وقد اقتفوا أثره ، وتتبعوه ، حتى وصل بهم الأمر إلى جبل ثور الذي بغاره الصاحبان ، ولكن آية الله تعالى أن جعلت العنكبوت ينسج نسيجه ، وكأنه من سنين ، وأن حمامتين عششتا على بابه ، فكانت اية حسية من خوارق العادات ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتحدث لإثبات نبوته إلا بالقران الكريم ، لأنه المعجزة الكبرى الباقية إلى يوم الدين . وهو حجة على الخليقة في كل الأجيال ، ولكل الأجناس . جاء رجال قريش يطلبون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد انتهى بهم الأثر إلى الغار ، ولكنهم ، وجدوا ما وجدوا وقالوا إذ رأوا نسج العنكبوت : لم يدخل أحد . وهم لو ألقوا بأنظارهم إلى داخله لرأوا الرسول وصاحبه ، ولكن
هامش
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 180 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 459 | محمد ابو زهره