ليقول لوفد الأوس والخزرج عندما التقى بهم في العقبة : « ليتكلم متكلمكم ، ولا يطل الخطبة ، فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم يفضحوكم » .
والناحية الثانية من أولئك المشركين الذين صحبوا المسلمين من الأوس والخزرج ، ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما حذر من عيون المشركين ، كان كلامه يعم الفريقين ، فريق قريش ، وفريق المشركين الذين صحبوا وفد الإيمان .
ولهذا لم يلتق في أول حضورهم ، بل ضرب لهم موعدا في أيام منى ، فلم يأخذ عليهم البيعة في أول لقاء .
فروى ابن إسحاق بسنده عن كعب بن مالك ، قال « خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقبة من أواسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . . . وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين .
ويقول كعب في هذه الرواية : فنمنا تلك الليلة في قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان .
هذه رواية كعب بن مالك ، وروى أنهم كانوا سبعين ، ومعهم امرأتان .
التقى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، في الميقات المحدود ، والمكان المعين وقد صحبه في هذا اللقاء عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو على دين قومه وإنما صحبه ليتوثق له ، ويطمئن على نصرته ، وقد قال في هذا اللقاء : « يا معشر الخزرج « 1 » ، إن محمدا منا ، حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هم على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، وما نعوه من خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم ، فمن الان فدعوه ، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده .
عندئذ قال قائل الأوس والخزرج : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت .
فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ودعا إلى الله تعالى ، ورغب في الإسلام .
وقد طلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يختاروا من بينهم اثنى عشر نقيبا ففعلوا .
هامش
( 1 ) قال ابن هشام : كانت العرب يسمون هذا الحي الخزرج ، خزرجها وأوسها ، ولعل ذلك لأنهم كانوا أكثر أو أظهر عند قريش .