الروم ) الميرة من هناك ، فلما طال الأمر ، دبر قيصر مكيدة فطلب من كسرى أن يقلع من بلاده ، على مال يصالحه عليه ، وبشترط ما شاء فأجابه إلى ذلك وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا ، من ذهب ، وجواهر ، وأقمشة ، وجوار ؛ وخدام ، وأصناف كثيرة ، فطاوعه قيصر ، وأوهمه أن عنده جميع ما طلبه ! وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام ، وأقاليم مملكته ، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله .
فخرج من القسطنطينية في جيش متوسط . . . وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع ، فذهب قيصر من فوره وسار مسرعا ، حتى انتهى إلى بلاد فارس فعاث فيها فسادا وقتلا في رجالها ، ومن كان بها من المقاتلة ، وقد كان أكثرهم مع كسرى . . . ولم يزل يقتل ، حتى انتهى إلى المدائن ، وفيها كرسي مملكة كسرى ، فقتل من بها ، وأخذ جميع حواصله وأمواله ، وأسر نساءه ، وحلق رأس ولده ، وأركبه على حمار ، وبعث الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة ، وكتب إلى كسرى يقول : هذا ما طلبت فخذه . . . .
أصاب العمى كسرى ، واشتد حنقه على البلد ( القسطنطينية ) فجد في حصارهم فلم يقدر على شيء .
عاد كسرى إلى بلده بعد أن حزب بمكيدة قيصر مكيدة بعد مكيدة ، وبذلك غلب الفرس في أدنى الأرض كما غلبوا الروم من قبل ، ولله الأمر من قبل ومن بعد « 1 » .
وقد ذكر ذلك الخبر في هذا المقام ، لأن ذكره امتداد لما انتصر به بنو شيبان على كسرى ، كما تنبأ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولسنا مقحمين له في غير موضعه ، لأن وقائعه كانت قبل الهجرة ، وامتدت إلى ما بعدها ، ولأنه إيذان بنصر الإسلام في فارس من بعد .
ولنعد بعد ذلك إلى التقاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالقبائل ، وما كان قبل الهجرة من تمهيد لها .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 424 ، و 425 .