بقوله : « يا أيها الناس ، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا » يتصدى أبو جهل وأبو لهب وهما يتناوبان فيقول : « يا بنى فلان ، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم ، إلى ما جاء من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ، ولا تسمعوا منه » .
وهكذا كانت الدعوة المحمدية تأخذ طريقها ، والذين يصدون عن سبيل الله يدعثرونها ، ولكن نور الحق لا تطفئه الضلالة ، ولا تعمى عنه الأبصار ، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة ، اتبعوه أو فارقوه ، وربما وجد غفلة عن اتباعه ، فانتهزها . ومهما يكن مقدار الاستجابة ، فإن إعلام الناس بعقيدة التوحيد ينبه الأذهان إلى التفكير في الأوثان ، ومجرد التفكير فيها يحبطها .
ولقد روى عن ابن شهاب الزهري أنه قال : « كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويخاطب أشرافهم ، ويكلم كل شريف قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول « لا أكره أحدا على شيء ، من رضى منكم بالذي أدعو إليه ، فذلك ، ومن كره ، لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزونى ( أي تمنعوني ) فيما يراد لي من القتل ، حتى أبلغ رسالة ربى ، وحتى يقضى الله تعالى لي ، ولمن صحبني بما شاء » .
ونرى من هذا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم بالحكمة ، فهو يأتيهم من قبل ما شهر عن العرب بحبهم للنجدة ، ولا يأتيهم ابتداء بمحاربة تدينهم ، كما قال الله تعالى
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 1 » .
وكان أكثر الجماعات لا يحبون دعوة الحق ، ومنهم من يحسن الرد ، ومنهم من كان يقول :
الحق بقومك . ولكن بعض الآحاد كانت تصغى أفئدتهم ، وإن لم يستطع الكثيرون أن يخرجوا من ربقة ما هم عليه دفعة واحدة .
جماعات تقبل الواحدانية :
305 - ومع الصدود من الجماعات ، والصد من بعض الآحاد ، والميل من اخر كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ماشيا في الاتجاه إلى القبائل في موسم الحج ، وهو يتوسم الناس ، ويتعرف الوجوه والأشراف ومعه أبو بكر الصديق ، وهو من أعلم الناس بأحوال العرب .
وكان بجوار القبائل التي أعرضت ، كانت جماعات قد أقبلت على الاستماع ، وبدت منها الاستجابة ، حتى كانت قبيلتا الأوس والخزرج ، على ما سنبين ، ولنذكر لك خبرا عن بعض الجماعات
هامش
( 1 ) سورة النحل : 125 .