وقد رجح الأكثرون أن هذه الآيات نزلت في نصاري نجران الذين ذكرنا لك الخبر عنهم ، ولم تكن الآيات في النجاشي وأتباعه ، ويقول ابن إسحاق إن الذي نزل في النجاشي وأصحابه من النصاري هو ما جاء في سورة المائدة ، إذ يقول الله سبحانه وتعالي :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ .
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ .
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ « 1 »
عرض الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل
304 - يئس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يؤمن قومه في هذا الوقت ، ورحمة الله تعالى قد تحملهم على الإيمان ، ولكن بعد أدوار من الزمان والأحوال ، فإذا كان قد يئس من إيمانهم في ذلك الوقت ، فهو لم ييأس من إيمانهم بعد تعاقب الأحداث ، لأن الله تعالى لم يقل له ، كما قال لنوح عليه السلام :
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
« 2 » .
وإذا كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد من قومه إلا الأذى في هذه الجولة ، فإنه وجد في بعض الذين يفدون إلى الحج ، أو يفدون إليه من يجد قول الحق إلى قلوبهم سبيلا ، وقد رأينا كيف كان نور الإسلام ينبعث خارج مكة المكرمة فيجيء احاد من القبائل العربية ، ويستمعون القران الكريم وهم ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه ، فإذا تلى عليهم القران الكريم خروا لله ساجدين ، ثم يدعون من بعد أقوامهم .
وقد رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقدم إلى القبائل في موسم الحج يدعوهم في منازلهم التي ينزلونها في منى يذهب إليهم قبيلة قبيلة ، يدعوهم إلى الحق ، ويتلو عليهم القران الكريم ، وقد أحست قريش بذلك ، فانبرى الذين يلجون في عداوة الحق ليصدوا عن سبيل الله ، وعلى رأسهم أبو جهل ، وأبو لهب ، فكانا يتحريان أن يتبعاها ، وإذ يدعو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله تعالى
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 82 - 85 .
( 2 ) سورة هود : 36 .