تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وقوله سبحانه وتعالى :
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
يراد جبريل عليه السلام
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
أي نزل وقرب من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
عن طريق جبريل ،
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
وهو جبريل أيضا وقوله سبحانه وتعالى
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
توميء إلى أن الآيات الكبرى التي رآها كانت بفؤاده لا ببصره ، وقوله سبحانه وتعالى :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
أي ما كل وما تجاوز حده ، والنفي فيه ما قد يكون لأنه لم تكن رؤية بالبصر . حتى يكل المبصر أو يتجاوز حده ، وقد يكون لبيان أن البصر لم يتجاوز حده ليطغى ، ويحاول أن يرى ما لا يمكن أن يراه ، ويزيغ بأن يكل ويمل ، ويلقى في النفس ما لم ير . وإننا عند هذا النظر الفاحص ننتهى إلى أن الإسراء إذا كان بالجسد والروح ، فإن المعراج كان بالروح فقط ، وأنه كان رؤيا صادقة ، وقد اتجهنا إلى ترجيح ذلك لما يأتي : ( أ ) أنه ذكر في المعراج أنه التقى بالأنبياء ادم وإبراهيم وموسى ويحيى ، وغيرهم ، والباقي منهم هو أرواحهم ، وأجسامهم سيبعثها الله تعالى يوم البعث والنشور ، وفرض أنه بعثها ثم أفناها فرض بعيد لم يذكر في حديث من الأحاديث ، ولا خبر من الأخبار ، ولو ضعيفا ، وكل فرض في أمر غيبى لا دليل عليه من المنقول فهو رد على قائله إلا أن يكون أمرا يؤدى إليه البرهان العقلي ، ولا يوجد شيء من المنقول ولا المعقول يقرر إعادة أجسام الأنبياء الكرام أحياء ، ثم إعادتها إلى الفناء . ( ب ) إن العبارات القرانية الكريمة الواردة في المعراج توميء بل تصرح بأن الأمر في هذه الرحلة السماوية كان روحيا وأن الإدراك لم يكن بالحس ، بل كان بالقلب والفؤاد ، فالله تعالى يقول :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى . أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
فالحديث القرانى كله كان في إثبات رؤية الفؤاد ، وأنه لا تجوز المماراة فيما رأى الفؤاد الذي لا يكذب ، وذلك لا يتحقق إلا بأن تكون الرؤية روحية ، لأن رؤية القلب لا تكون إلا روحية ، وأنه عندما ذكرت حاسة البصر ذكرت بالنفي ، لا بالإيجاب ، وقد بينا مؤدى النفي في هذا . ( ج ) أن أخبار المعراج تصرح بأنه رأى ربه ، والرؤية القلبية ممكنة باستحضار عظمته ، وبالسبحات الروحية المتجهة إلى الله سبحانه وتعالى وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد قرر أنه لم ير ربه في حديث أبي ذر الغفاري ، فقد قال عليه الصلاة والسلام في إجابة سؤال الصحابي الجليل أبي ذر : « إنه نور ، فأنى أراه » . وإننا لا نتعرض في ذلك لكون رؤية الله تعالى يوم القيامة ممكنة ، أو غير ممكنة ، فذلك يوم القيامة بعد البعث والنشور ، وذهاب أهل الجنة إليها ، وإبقاء أهل النار فيها ، فإن الكلام فيها غير الكلام في الدنيا ، ونحن نحس ونرى ، فإن كانت رؤية الله تعالى الان فهي بالعين الفانية ، ورؤية أهل الجنة عند من يثبتونها تكون بالعين الباقية ، والله أعلم كيف يرى .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 419 | محمد ابو زهره