تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
ازداد غيظهم ، واشتد الأمر عليهم بسبب حقدهم ، وتضاغنوا فيما بينهم ، وتذمروا ، وتحاضوا على وجوب إيذائهم ، ورأى أهل الروية منهم أن يذهبوا إلى أبى طالب مرة أخرى ، ولكن بوجه أعنف ، وبلسان أجف . اجتمعوا فقال قائلهم : « يا أبا طالب إن لك سنا ومنزلة وشرفا فينا ، وإنا قد استأنيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر علي هذا من شتم ابائنا وتسفيه أحلامنا ، وعيب الهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين . في هذه المرة كان التهديد لأبى طالب بإعلان عداوتهم ، وقد أزالوا كل الحجز في القول ، ولم يراعوا سنا ولا شيخوخة ، ولا شرف منزلة كما ذكروا في الأولى ، ولا شك أن تغير لهجة القول كان له أثر في نفس أبى طالب ، وأحس بضيق في الأمر ، وإن لم يتبرم من حماية حبيبه ابن أخيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولكنه أراد أن يعرض عليه ما أصابه من ضيق ، ويشركه في أمر قومه الذي تفاقم ، فقال له : يا بن أخي إن قومك قد جاؤنى ، فقالوا كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق . لم تضعف عزيمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد من الله تعالى والذي لا يرجو النصرة إلا منه ، وإن كان يرغب في أن يشعر بأنه في عزة من أهله ، تألم ، لا خوفا من الأذى ، ولكن لظنه تخلف عمه الحبيب عن نصرته ، وهو في ميدان الجهاد والمناضلة إذ ظن أنه خاذله ومسلمه ، وعلم أنه ضعف عن نصرته . عندئذ قال مقالة أولى العزم من الرسل : « يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته » ثم استعبر فبكى ثم قام ، وما كان استعباره ضعفا ، ولكن لأنه يرجو من عمه وحبيبه ألا يسلمه ولا يخذله . أدرك أبو طالب الكريم أنه أسرف على ابن أخيه في ذكر ما كان من قول وفد قريش ، وأنه كرثه بذلك . فلما ولى ناداه : أقبل يا ابن أخي ، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو طالب العظيم : « اذهب يا ابن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا » . تواردت الأخبار على قريش ، وعلموا أنه لا سبيل لأن يصلوا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه وأبو طالب مانعه ، ولكن حيلتهم لم تنته ، والرغبة ولو اثمة لا تسكت عند الصدام ، ففكروا ، وانتهوا إلى أمر غريب ، وإن لم يكن ظاهر الغرابة عند العرب في جاهليتهم .