تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
ما كان ليسمح لأحد أن يؤذيه إلا لطيب نفسه ، فيكون الإيذاء جاذبا للأنظار مسترعيا للذين يعرفون ما ينبغي للأحرار ، فيدعوهم ذلك إلى التفكير في الذي يدعو إليه من غير تمييز لهم ، ويكفى ذلك للدخول في الإسلام مناصرا غير محارب ولا مجاهل . من أجل ذلك ، ولأن الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وحيث يثبتها وينشرها ويذيعها اختار لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يتأتى للأمور بيسر وبرفق من غير عنف أو رهبة ، ولو كان بقوة النفس لا بقوة السيف .

الهجرة إلى الحبشة

259 - عدد الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وتابعوه في الصبر على الأذى يزيد ويكثر ، ولم يقتصر على الضعفاء . بل دخل فيهم أشراف من مكة المكرمة ، وبتزايد العدد يتزايد الاضطهاد ويكثر ويتنوع . فمن إيذاء بالأيدي والسياط ، والإلقاء في الرمضاء في الحرور ، ومن أفعال لا تصدر إلا عن السفهاء الأنذال . كما فعل أبو جهل مع النبي عليه الصلاة والسلام وغيره ، ومن استهزاء وسخرية ، ومن منع من العبادة . ويجدون في ذوى الكرامات مرتعا خصيبا للنيل من كراماتهم . أصبح الإيذاء عاما ولا مناص من التخلص منه ، وهم بمكة المكرمة وما حولها فلابد من الهجرة ،
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
« 1 » وإلى أي أرض يهاجرون . لابد من أرض تتوافر فيها الحرية ، وتكون بعيدة عن سطوة مكة ومن فيها قريش . ولهم مكانة في القبائل ، وتكون تحت سلطان حاكم فيه طيبة لا يؤذى ولا يمكن أحدا من الإيذاء . حتى يكونوا في بعد عن الاضطهاد واحتماله . وذلك في أرض الحبشة . فهي بعيدة عن سطوة قريش . وهي لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من قبائل . وفيها حاكم طيب عرف بذلك واشتهر ، فأشار النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة إليه . وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه وقد رأى البلاء ينزل بهم . وهو لا يقدر على منعه عنهم : « لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه » . كانت أول زمرة من الهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من مبعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . ولا شك أن الهجرة لها ثمرة أخرى غير دفع الأذى ، والاعتصام منه ومنع الفتنة التي أرهقوا بها عسرا ، وهذه الثمرة هي التعريف بالإسلام ، وبالمباديء الإسلامية ، فقد وقف جعفر بن أبي طالب
هامش
( 1 ) سورة النساء : 100 .