وقد كان عليه الصلاة والسلام يفرض الرهبة في قلوب المشركين إن كان لذلك موضع ، ولنذكر موضعين كانت فيهما مهابة الرسول فاصلة ، قاطعة حاسمة :
أولهما : ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قال : « رأيتهم وقد اجتمع أشرافعهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا وشتم اباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب الهتنا ، وصرنا منه على أمر عظيم .
فبينما هم في ذلك ، إذ طلع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأقبل يمشى ، حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فمضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفتها في وجهه ، فمر بهم الثالثة ، فغمزوه بمثلها فقال لهم :
أتسمعون معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح . فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع ، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفوه ، حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول .
إن هذا الذي أفزعهم عزمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أخذتهم الدهشة ، وأرعبتهم الهيبة ، وإذا كانوا بعد ذلك تكاتفوا واعتزموا أن يؤذوه في مكانه هذا ، فإن هذا لا يمنع تأثير مهابته فيهم ، وما استطاعوا لها ردا إلا بعد طول مؤامرة ومجاوبة ، وإصرار على مقاومة الهيبة ، ولو أرادها في الثانية لكان أفزع لهم ، وأروع ، ولكنه كان يميل إلى اللين دائما .
الثاني : ما كان في قصة الأراشى ، فقد قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة ، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها ، فأقبل الأراشى ، حتى وقف ينادى في قريش ، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس في ناحية المسجد ، فقال الأراشي : « يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام ، فإني غريب وابن سبيل ، وقد غلبني على حقي » .
فقال من بالمجلس من قريش مستهزئين بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : ترى ذلك الجالس ، مشيرين إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما يعلمون من عداوة أبى جهل للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : « اذهب إليه فهو يعديك عليه » .
أقبل الأراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : فذكر له ذلك ، فقام محمد صلى الله عليه وسلم العظيم معتزما إنصاف الغريب ، ولا سلطان معه إلا شخصه ، وعون الله تعالى .
فلما رأى المجلس القرشي المشرك قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 357
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٣٥٧