تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
لعمر وعمه حمزة ، إذن لارعوى مثل أبى جهل في نذلته ، ولكنه لم يفعل ، وتحمل الأذى في سبيل الدعوة ولم يرهب ولم يفرغ ، بل رضى بالبلاء ينزل به وبأصحابه الضعفاء . وإن ذلك هو عمل النبوة ، إنه عليه الصلاة والسلام ما جاء مسيطرا ، ولكن جاء مبلغا ، وما جاء متحكما ، ولكن جاء داعيا مقنعا ، فلو استخدم هيبته وأظهر الرهبة لتبعه الناس خائفين غير مقتنعين بذات الحجة ، ولبدا النفاق في الذين يجيبون دعوته ، وليس الدين بقائم على المنافقين غير المؤمنين . إن الرسول الأمين يريد مؤمنين يدخلون في الإسلام رغبا لا رهبا ، ولا يكون عن خوف أيا كانت صورة الخوف . إن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جاء ليحمله الذين شاهدوا وعاينوا إلى الأخلاف من بعده ، لأنه دين الخليقة كلها لا دين جيل من أجيالها ، فلابد أن يحمله مؤمنون لا مجرد تابعين . ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإيمان القوى الذي يصبر صاحبه ويصابر في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وينزل به البلاء في حضرته فيحس عليه الصلاة والسلام بقوة احتمالهم ، ليطمئن من بعده بقوة التبليغ بالرسالة في مشارق الأرض ومغاربها . إن الذين يدخلون في الإسلام بهيبة النبي عليه الصلاة والسلام سرعان ما يتركونه إذا غاب عنهم ، واعتبر ذلك بحال المؤمنين في المدينة فإنه لم يكن فيهم نفاق ، حتى صار لأهل الايمان قوة يسيطرون بها ، فكان النفاق ، والذين دخلوا في الإسلام تابعين غير مؤمنين إيمان الصابرين المصابرين . وكان من المسلمين بالاتباع بالإيمان المجاهد الصابر ، وكان منهم الأعراب الذين ساروا مع القوى ، وقال فيهم الله تعالى :
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 1 » وهم الذين ارتدوا بعد موت محمد صلى الله عليه وسلم ، إن الله تعالى أمر رسوله بالدعوة بالحكمة ، فقال تعالي :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 2 » وإن ذلك يقتضى أن يكون موطأ الكنف وديعا في دعوته متطامنا لمن يخاطبهم ، ليس فظا ولا غليظ القلب ، ولا مرهبا ولا مفزعا . وإن تطامن النبي عليه الصلاة والسلام كما جرأ عليه الأقوياء الذين يؤذون الحق إذا بدا وضحه المبين ، قد قرب إليه الضعفاء وبهم كانت الدعوة الأولى وقوة الحق من غير سيطرة ولا تحكم . وإن تطامن النبي عليه الصلاة والسلام والاعتداء عليه قرب بعض الأقوياء ولم يبعدهم . ألم تر أن كثيرين كانوا يسلمون لأنهم يرون أن محمدا عليه الصلاة والسلام بماضيه الكريم ، وحاضره العظيم
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 97 . ( 2 ) سورة النحل : 125 .