فقال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ، ولا ما يراد بها . وقال الأخنس : وأنا كذلك ، وذهب الأخنس من عند أبي سفيان ، وأتى أبا جهل فقال :
يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ، فقال : ماذا سمعت ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشريف ، أطعموا ، فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتنى تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذا ؟ والله لا نؤمن أبدا ، ولا نصدقه » وقد نقلنا ذلك الجزء من قول أبى جهل .
249 - والمقصود من ذلك الخبر أنهم كانوا ينجذبون نحو سماع القران الكريم ، كما يتجه إلى السماع والتلاوة المؤمنون ، بيد أن الفرق بينهما ، كالفرق بين من يستمع طالبا الحق مذعنا له ، ومن يطلب غير الحق ، ولكن يجذبه إليه حلاوته وطلاوته .
ولذلك ما كانوا يؤمنون ، وكأن الله تعالى مقلب القلوب جذبهم إليه ليعرفوا البينات ، والأدلة القائمة ليهتدوا ، فإن كفروا من بعد ذلك فعن بينة وسماع ، ومعرفة بالدليل ، ثم الإعراض .
وقد كان الإعراض شأن من كتب عليهم الضلال ، ولا معذرة لهم لأنهم اشتروا الضلالة ، ورغبوا عن الهداية ، ومع أنهم كانوا يتهافتون على سماعه في جنح الليل البهيم ، وكلما تواعدوا ألا يفعلوا نكثوا في عهودهم كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا تلا عليهم القران الكريم جهارا نهارا استهزؤا ، ولم ينصتوا خشية أن يكثر أتباع النبي عليه الصلاة والسلام ، وكانت دعوته قذى في عيونهم ، وغصة في حلوقهم .
قال ابن إسحاق : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا تلا عليهم القران الكريم ودعاهم إليه ، قالوا يهزؤن : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي اذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون .
فحكى الله تعالى عنهم قولهم :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً . وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً . انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا . وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً . قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 45 - 51 .