وهذه الآيات الكريمة مع ما ذكر من حرص عتاة الكفار على سماع القران الكريم تدل على ثلاثة أمور :
أولها : أن القران الكريم كان يجذبهم إلى الاستماع إليه ، لما فيه من بلاغة تجذب أهل البيان لاستماعه وتعرف منزلته ، وبهذا يدركون الفرق بين كلامهم وكلامه ، ويذكرون الفرق بين البيان البشرى ، وكلام رب العالمين حجة الله تعالى البالغة إلى يوم الدين ، وإذا كانت الآيات الحسية تبهرهم وتقرع أسماعهم ، فيراها أكثرهم بينة ، فكذلك تلك الآية المعنوية تجذب قلوبهم وتسترعى أسماعهم ، فيعلم بها الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم ، وبذلك تقوم الحجة ، وتقوم البينة ، ولا حجة لهم في الجهل ، ولا في الاعتذار .
ثانيها : أنهم مع عدم المطالبة بأن يأتوا بمثله قد أحسوا بالعجز عن أن يأتوا بمثله ، كما رأوا فيه من بيان لا يصلون إليه ، وروعة بلاغة لم يستمعوا إليها ، حتى يقول قائلهم ، وقد استمر على كفره وضلاله :
« إنه يعلو ولا يعلى عليه ، ما يقول هذا بشر » فهم أذعنوا لبلاغته ، ولم يذعنوا لدعوته ، فاستحبوا الكفر على الإيمان ، مع قيام الدلائل .
ثالثها : إن إنكارهم سبق الرغبة في طلب الحقيقة ، ومن كان كذلك لا يهديه دليل ، ولا تقنعه حجة ، لأنه حينئذ لا يطلب حقا ، فلا يحاول أن يتعرف الطريق الذي يتأدى به إلى الإيمان ، لأن من سلك طريقا معوجا غير موصل إلى المطلوب للحق ، لا يصل إليه ، وكلما أمعن فيه بعد عن الهداية كلما أوغل ازداد نكرا ، ومهما يناده رائد الحق لا يستمع إليه ، لأنه بعد عنه وإن يسمع لا يكن جواب من قلبه .
ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى الحق ، لأن الأمارات والظواهر هادية قائمة ، والطريق المستقيم هو الإخلاص في طلب الحق غير مربد قلبه بهوى أو شهوة ، أو أثرة ما حقة للخير مغلقة على النفس أبوابه .
الايذاء والفتنة
250 - منذ جاءت الدعوة المحمدية ، وقد حاول أهل العصبية الجاهلية الذين ينفسون على البيت الهاشمي مكانته ، والذين من دأبهم أن يحسدوا الناس على ما اتاهم الله ، والذين ألفوا رجس الجاهلية من عبادات ، وتحريم الطيبات من الرزق ، وقد حاول كل أولئك مجتمعين ومنفردين الوقوف في وجهها ، وهي تنمو وتزيد ، تسعى قدما ، ولا تتأخر . وإذا كان السير بطيئا ، فهو متواصل من غير وناء ولا قصور ، وكلما انبلج نوره واتسعت دائرته ، ظنوا أنها دعوة قابلة للإنطفاء ، فحاولوا إطفاءها بالحيلة والعرض الذي يشبه